مفصل دلائل النبوة (1)

إيمان ذوي العقول وأهل الألباب من كل أمة بالرسول صلى الله عليه وسلم

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

اعلم رحمني الله وإياك أن من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم هي مسارعة أهل العقول الراجحة، وأولي الألباب من كل أمة وملة ودين إلى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وترك ما كانوا عليه من الجاهلية والكفر وما زال هذا دأب الناس معه منذ بعثته وإلى يومنا هذا.

وهؤلاء أهل العقول الراجحة الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما آمنوا عن دليل وبرهان ولم يأخذوا الأمر تقليداً واتباعاً وسنعرض نماذج من هؤلاء الذين التقوا الرسول وناقشوا معه دليل نبوته واتبعوا دينه، وكذلك ممن شهد له بالصدق والحق ولم يتبعه إيثاراً للملك كهرقل أو اشفاقاً من مفارقة قومه وجماعته كبعض أحبار اليهود.

إسلام الصديق عن دليل برهان:

فالصديق أبو بكر الذي هو أول الرجال إيماناً كان إيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم عن دليل وبرهان، فإنه قد صادق النبي قبل أن يبعث وعرف من أخلاقه وشمائله أنه ليس بكذاب وأنه يستحيل عقـلاً أن يعيش رجل أربعين عاماً من عمره لا تعرف عنه كذبه ثم يشرع بعد ذلك في الكذب على الله الذي هو أشنع الكذب. والكذب على الناس، وكذلك علم أبو بكر يقيناً أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم منـزه عن الغرض ويستحيل أن يكون له دخيلة أو يكون ممن يظهر خلاف ما يبطن ولذلك أسرع إلى الإيمان به عن ثقة ويقين، وقد كان لكل أحد وقفة تردد في قبول دعوة الرسول إلا أبا بكر الصديق رضي الله عنه فإنه ما علم أن دعاه النبي إلى الإسلام حتى بادر بالشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما دعوت أحداً للإسلام إلا كانت له كبوة إلا أبا بكر..]

وروى الإمام البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [أما صاحبكم فقد غامر فسلم ]، وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك، فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثاً، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر. فسأل أَثَمَّ أبو بكر؟ فقال: لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه. فقال: يا رسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن الله بعثني إليكم، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله. فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها] (رواه البخاري)

والشاهد أن إسـلام الصديق -وهو أول الناس إسلاماً- كان عن يقين ودليل وبرهان تحقق لأبي بكر بفضل الصحبة الطويلة قبل البعثة والمعرفة اليقينية بالرسول صلى الله عليه وسلم، وقـد كان ثبات الصديق على هذا الدين، وضربه المثال الكامل للمؤمن الصديق، وتطبيقه الرائع الفريد لحقائق الدين وقيمه، دليل على صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

إسلام خديجة رضي الله عنها عن دليل وبرهان:

وكذلك كان إسلام أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فإنها قالت للنبي عندما قص عليها خبر ما رآه في الغار وقال لها الرسول: [لقد خشيت على نفسي] ولم يكن الرسول يعلم مَنْ هذا الذي نزل عليه في الغار ولا ما كان يريد.

فقالت خديجة رضي الله عنها له: (لا والله لا يخزيك الله أبداً فإنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعلوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق) (رواه البخاري)

ثم لما ذهبت به إلى ورقة بن نوفل رضي الله عنه وأخبرهما أن هذا هو الناموس الذي نزل على موسى كان هذا شهادة كذلك من رجل عليم بالرسالات.

ومن أجل ذلك كانت خديجة رضي الله عنها أول امرأة أسلمت بل لعلها أول إنسان آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وكان إيمانها عن دليل وبرهان ولم يكن مجرد تقليد واتباع لزوج.

ولا برهان أعظم مما رأته في النبي صلى الله عليه وسلم فقد عرفت فيه الصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الخلق والرحمة بالخلق ومثل هذا لا يخزيه الله أبداً.

إسلام السابقين من المؤمنين عن دليل وبرهان:

وهكذا الشأن في السابقين الأولين من الذين عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته فإن قريشاً كلها لم يجربوا عليه كذباً،بل وكل من تعامل بالنبي بمعاملة بيع أو شراء عرف في النبي صلى الله عليه وسلم الصدق والأمانة. ولذلك لما سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ويخبر أنه رسوله بادروا إلى الإيمان به، عن دليل، وبرهان، وأنضاف إلى ذلك مسارعة أمثال الصديق إلى الإيمان فإن تصديق الصادقين دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصادق يصدقه الصادقون وأما الكذاب فإنه لا يصدقه ولو ظاهراً إلا من كان على شاكلته من أهل الكذب.

كيف أسلم من لم يكن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة:

وأما من لم يكن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فإن أهل العقل والحجى منهم لم يؤمنوا بالنبي حتى علموا دلائل نبوته.

وذلك أن قوم النبي صلى الله عليه وسلم اختلفت مقالتهم فيه فمنهم من آمن به ومنهم من كفر به وهم السواد الأعظم. وهؤلاء الذين كفروا به شنعوا عليه بالباطل فتارة يقولون ساحر، وتارة يقولون كاهن، وتارة يقولون مجنون، وأخرى يقولون شاعر. وفي كل ذلك يرمونه بالكذب والإفك.

وهذا ما حمل أهل العقل والحجى من قبائل العرب خارج مكة ومن عقلاء اليهود والنصارى أن ينظروا في دلائل النبوة ويتحققوا هل هو فعلاً رسول الله حقاً وصدقاً كما يقول هو ومن آمن به أم هو كما يقول الذين كذبوه وعاندوه.

وقد سـارع كل ذي عقل ولب من هؤلاء إلى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وهذه نماذج هؤلاء:

(1) إسلام أبي ذر رضي الله عنه:

وأبو ذر رضي الله عنه نسيج وحده، ونموذج فريد من البشر كان باحثاً عن الحق قبل أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم، ودله بحثه على الإيمان بالله والإسلام له، ولما التقى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه طابق دليل النبوة فطرته السليمة، وتشوقه إلى الحق، وما علم أبو ذر الحق استعذب العذاب في سبيله.

قال البخاري رحمه الله: حدثنا عمرو بن عباس حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن المثنى عن أبي حمزة عن ابن عباس قال لما بلغ أبا ذر نبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من كلامه ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ،وكلاماً ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل شَنْةً فيها مـاء، حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه وكـره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل اضطجع. فرآه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعرف أنه غريب فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يرى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال: أما آن للرجل يعلم منزله!! فأقامه فذهب به، لا يسأل واحداً منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالث، فعاد على مثل ذلك فأقام معه، فقال: ألا تحدثني بالذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني فعلت. ففعل، فأخبره، قال: فإنه حق، وإنه رسـول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني، حتى تدخل مدخلي. ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: [ارجـع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري] فقال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلا صوته: أشهد لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم قـام فضربوه حتى أضجعوه. فأتى العباس فأكب عليه فقال: ويلكم ألم تعلموا أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام. فأنقذه منهم. ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه (هذا لفظ البخاري).

وقد جاء خبر إسلامه مبسوطاً في صحيح مسلم وغيره فقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن هبة الله بن الصامت قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار -وكان يحلون الشهر الحرام- أنا وأخي أنيس وأمنا فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وذي هيئة فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك إليهم أنيس، فجاء خالنا فنثى ما قيل له (أي عابنا وذمنا وصدق الذي قالوه عنا)!! فقلت له: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لنا فيما بعد.

قال: فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكي. قال: فانطلقا حتى نزلنا محضرة مكة قال فقامر أنيس عن صرمتنا وعن مثليها، فأتينا الكاهن فَخَيّر أنيساً فأتانا بصرمتنا ومثلها وقد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، قال: قلت لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه. قـال: حيث وجهني الله. قال: واصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقى كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. قال: فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فألقني حتى آتيك قال: فانطلق فراث علي ثم أتاني. فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلاً يزعم أن الله أرسله على دينك، قال: فما يقول الناس له؟ قال: يقولون إنه شاعر وساحر وكان أنيس شاعراً. قال: فقال لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم، وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فوالله ما يلتم لسان أحد أنه شعر، ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. قال: فقلت له هل أنت كافيني حتى انطلق؟ قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له.

قال: فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلاً منهم فقلت: أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إلي، فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشياً علي!! ثم ارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُبٌ أحمر فأتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدم ودخلت بين الكعبة وأستارها فلبثت به يا ابن أخي ثلاثين من يوم وليلة مالي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع.

قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان وضرب الله على أشحمة أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين فأتتا علي وهما يدعوان أساف ونائلة. فقلت: انكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك فقلت: وهن مثل الخشبة غير أني لم أركن!! قال: فانطلقتا تولولان، ويقولان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا قال فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقـال مالكما؟ فقالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها قالا ما قال لكما؟ قالتا قال لنا كلمة تملأ الفم!!

قال: وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت ثم صلى. قال: فأتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الإسلام. فقال: [عليك السلام ورحمة الله من أنت؟] قال: قلت من غفار!! قال فاهوى بيده فوضعهما على جبهته. قال: فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفـار، قال فأردت أن آخذ بيده، فقذفني صاحبه، وكان أعلم به مني، قال: [متى كنت ههنا؟] قال: قلت: كنت ههنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم. قال: [فمن كان يطعمك؟] قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمـزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قـال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنها مباركة إنها طعام طعم] قال: فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة قال: ففعل.

قال: فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم، وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر باباً فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وقال فكان ذلك أول طعام أكلته بها، فلبثت ما لبثت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إني قد وُجِّهتُ إلى أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟].

قال: فانطلقت حتى أتيت أخي أنيساً، قال: فقال لي ما صنعت؟ قال: قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت، قال: فما بي رغبة عن دينك فأني قد أسلمت وصدقت. ثم أتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت.

فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار، قال: فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان يؤمهم خفاف بن إيما بن رخصة الغفاري وكان سيدهم يومئذ، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمنا!! قال فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم بقيتهم. قال: وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله] ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه.

إسلام ضماد رضي الله عنه:

وهذا رجل آخر من ازدشنوءة كان خبيراً بالرقى وعليماً بكلام العرب فانظر كيف كان إسلامه:

روى مسلم والبيهقي من حديث داود بن أبي هند بن عمرو بن سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: قدم ضماد مكة وهو رجل من أزدشنوءة وكان يرقي من هذه الرياح فسمع سفهاء من سفهـاء مكة يقولون: إن محمداً مجنون. فقال: أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي؟

قال: فلقيت محمداً فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وأن الله يشفي على يدي من شاء فهلم!! فقال محمـد صلى الله عليه وسلم: [إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات] فقال ضماد: والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الإسلام فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: [وعلى قومك فقال وعلى قومي. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً فمروا بقوم ضماد فقال صاحب الجيش للسرية: هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئاً؟ فقال رجل منهم: أصبت منهم هذه المطهرة. فقال: ردوها عليهم فإنهم قوم ضماد.

وفي رواية فقال له ضماد: أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس البحر!!

قلت: إذا نظرت في الدليل الذي أسلم عليه ضماد عرفت أنه من أقوى الأدلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له كلمات في معاني الربوبية لم يسمع هذا الرجل العليم بالرقى بمثلها قط، وعلم أنها من الحق الذي لا يصل إليها إلا نبي فهي في عمق معناها، وكمال ألفاظها قد بلغت قاموس البحر أي هي عمق المعنى وغزارته في عمق البحر وكثرة مائه.

إسلام النجاشي رضي الله عنه:

النجاشي ملك الحبشة كان على دين عيسى بن مريم وهو رجل عميق في هذا الدين، وعلى علم بالرسالات، وكان إسلامه دليلاً على أن ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق.

قال الإمام أحمـد رحمه الله: "ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن مسلم بن أبي عبيدة بن شهاب عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي آمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه.

فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجـاشي فينا رجلين جَلْدَين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم (أي الجلود)، فجمعوا له أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبدالله بن ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم.

ثم قدموا للنجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي. ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهـاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم. وقد بعثنا إلى الملك أنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجـاءوا لدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهـم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه!! قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلم بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليه، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله!! أيم الله إذاً لا أسلمهم إليهما، ولا أطرد قومـاً جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فأن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم.

فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه قالوا: نقول له والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن.

فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟

قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسـولاً نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وآداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدمـاء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.

قال: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.

فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثـان من عبادة الله. وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا فخرجنا إلى بلدك واخترناك على من سـواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك!!

قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شئ؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: إقرأ علي. فقرأ عليه (صدراً) من{كهيعص}. قالت: "فبكى والله النجاشي حتى اخضل لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة!! انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد.

قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله (لأنبئنهم) غداً عيبهم عندهم ثم استأصل به خضراءهم، قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغـد. فقال له: أيها الملك انهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.

قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثله فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقـول فيه الذي جاء به نبينا هو عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العـذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله! اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم. فما أحب أن لي دبراً ذهباً وأني آذيت رجلاً منكم -والدبر بلسان الحبشة الجعل- ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس فأطيعهم فيه.

قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.

قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعـه في ملكه. قالت: فوالله ما علمنا حزناً قط كان أشد من حزن حزناه عنده ذلك تخوفاً أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه.

قالت وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر. قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا. قالت: وكان من أحدث القوم سناً. قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم. قالت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.

رواية أخرى:

قال الإمام عبد الله بن محمد بن أبي شيبة رحمه الله: حدثنا عبيد الله بن موسى قال أخبرنا إسرائيل عن أبي اسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي قال فبلغ ذلك قومنا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدية فقدمنا وقـدما على النجاشي فأتوه بهدية فقبلها وسجدوا، ثم قال له عمرو بن العاص: إن قومنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك فقال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالوا: نعم. فبعث إلينا فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم. قال: فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون والرهبان سماطين، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك. قال: فلما انتهينا إليه أخبرنا من عنده من القسيسين والرهبان اسجدوا للملك فقال جعفر: لا نسجد إلا لله، فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما يمنعك أن تسجد.

قال: لا نسجد إلا لله. قال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث فينا رسوله وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم {برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً ونقيم الصـلاة ونؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر. فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء التي لم يقر بها بشر. قال: فتناول النجاشي عوداً من الأرض فقال: يا معشر القسيسين والرهبان: ما يزيد ما يقـول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه!! مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده. فأنا أشهد أن رسول الله والذي بشر به عيسى بن مريم ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه!! امكثوا في أرضي ما شئتم. وأمر لنا بطعام وكسوة وقال: ردوا على هذين هديتهما.

مكيدة لعمرو بن العاص لرفيقه عمارة بن الوليد:

قال: وكان عمرو بن العاص رجلاً قصيراً وكان عمارة بن الوليد رجلاً جميلاً. قال فأقبلا في البحـر للنجاشي قال: فشربوا. قال: ومع عمرو بن العاص امرأته فلما شربوا الخمر قال عمارة لعمرو مر امرأتك فلتقبلني، فقال له عمرو: ألا تستحي؟! فأخذه عمارة فرمى به في البحر فجعل عمرو يناشده حتى أدخله السفينة فحقد عليه عمرو ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلف عمارة في أهلك. قال: فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في احليله فصار مع الوحش!!

*********

*****