مفصل دلائل النبوة (2)

إيمان ذوي العقول وأهل الألباب من كل أمة بالرسول صلى الله عليه وسلم

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

وهذه طائفة أخرى من الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى ومشركي العرب بعد سطوع آيات النبوة.

سلمان الفارسي رضي الله عنه:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لو كان الدين بالثريا لأدركه أقوام من هؤلاء]

قصة إسلامه واستدلاله على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال الإمام أحمـد رحمه الله: ثنا أبي عن أبي إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن محمـود بن لبيد عن عبدالله بن عباس قال حدثني سلمان الفارسي حديثه من فيه قال: كنت رجلاً فارسياً من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها (جي)، وكان أبي دهقان قريته (أي القائم على النار)، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، وأجهدت في المجوسية حتى كنت قَطِنَ النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكان لأبي ضيعة عظيمة. قال: فشغل في بنيان له يوماً، فقـال لي: يا بني إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم، فاذهب فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله. قال فلما جئته قال: أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت مررت بالناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني. ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه. قـال: قلت: كلا والله إنه خير من ديننا. قال: فخافني فجعل في رجلي قيداً ثم حبسني في بيته.

قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام، تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشـام، تجار من النصارى فأخبروني بهم قال: قلت: إذا قضوا حوايجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشـام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة.

قـال: فجئته فقلت: إني أرغب في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك. قال: فادخل. فدخلت معه. قال: فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئاً. قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت أنا أدلكم على كنزه، قالـوا: فدلنا عليه، قال:فأريتهم موضعه. قال فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً، فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبداً، فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة، ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه.

قال: يقول سلمان فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه. قال: فأحببته حباً لم أحبه من قبله، وأقمت معه زماناً، ثم حضرته الوفـاة، فقلت له: يا فلان إني كنت معك وأحببتك حباً لم أحبه أحداً من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم أحداً اليوم على ما كنت عليه. لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به.

قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل. فقلت له: يا فلان إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي. فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلاناً أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عليه إلا رجلاً بنصيبين، وهو فلان فالحق به.

قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فجئته، فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي. قال: فأقم عندي. فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له: يا فلان كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قـال: أي بني والله ما نعلم أحداً بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية، فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته. قال: فإنه على أمرنا.

قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي. فأقمت مع رجل على هدى أصحابه وأمرهم. قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصي فلان إلى فلان، وأوصي بي فـلان إلى فلان، ثم أوصى فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي وهو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجراً إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإذا استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.

قـال: ثم مات وغيب فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجاراً فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتموها ورجوت أن تكون البلد، وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجـل من يهودي عبداً، فكنت، ورأيت النخل ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم ابن عم له من المدينة من بني قريظـة فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقـال فلان: قاتل الله بني قيلة، والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العُرَواء حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، قال: ونزلت على النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك ماذا تقول؟ قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا أقبل على عملك!!. قال: قلت: لا شئ إنما أردت أن استثبت عما قال. وقد كان عندي شيء. قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له: أنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم فقربته إليه فقال رسـول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا. وأمسك يده فلم يأكل. قال: فقلت: في نفسي هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئاً وتحول رسول اله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئت به فقلت: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد. قال وقد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى استدرته عرف أني استثبت في شيء وصف لي. قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحول!! فتحولت فقصصت عليه حديثي، كما حدثتك يا ابن عباس.

قال فأعجب رسـول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه، ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد.

قال: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كاتب يا سليمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر يعني الرجل وما يقدر ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي ففقرت لها وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته، فأخبرته فخرج رسـول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فوالذي نفس سلمان بيده ما مات منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي علي المال فأتى رسول الله بمثل بيضة الدجاج من ذهب من بعض المغازي، فقـال: ما فعل الفارسي المكاتب؟ قال فدعيت له فقال: خذ هذه فأد بها ما عليك يا سلمان. فقلت: وأين تقع هذه يا رسـول الله مما علي. قال خذها، فإن الله عز وجل سيؤدي بها عنك. قال: فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم، وأعتقت فشهدت مع رسـول الله صلى الله عليه وسلم الخنـدق ثم لم يفتني معه مشهد.

قلت: هذه القصة المليئة بالعبر، والشاهد فيها أن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قد انتفى منه الغرض الدنيوي، وطلب الدين لله لا لحظ نفسه، ولاقى في سبيل الله ما لاقى من ترك أهله ووطنه، والدنيا التي كان فيها، وتتبع بقايا رهبان النصارى حتى فنوا وانقرضوا، ثم هداه الله إلى الإسـلام، وتعرف على النبي صلى الله عليه وسلم من خلال الدليل الذي صحبهمعه، وبقي سلمان على الإسلام حتى أصبح بعد ذلك أميراً على العراق بعد أن فتحها الله للمسلمين، وكان سلمان في كل حياته زاهداً في الدنيا باحثاً عن الحق وإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم دليل صدق وشاهد عدل{قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}.

عبدالله بن سلام سيد اليهود وعالمهم بالمدينة المنورة:

قـال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن زرارة عن عبدالله بن سلام. قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة احتفل الناس فكنت فيمن احتفل، فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب!! فكان أول شيء سمعته يقـول: [افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام. تدخلوا الجنة بسلام] (رواه الترمذي وابن ماجه من طرق عن عوف الأعرابي عن زرارة بن أبي أوفى به عنه).

وقال الترمذي صحيح، ومقتضى هذا السياق أنه سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ورآه أول قدومه حين أناخ عند دار أبي أيوب عند ارتحاله من قباء إلى دار بني النجار كما تقدم فلعله رآه أول ما رآه بقباء، واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النجار، والله أعلم.

وفي سياق البخاري من طريق عبدالعزيز عن أنس. قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم جاء عبدالله بن سلام فقال أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق. وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهـم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت. فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في.

فأرسـل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فدخلوا عليه. فقال لهم: [يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقاً وأني جئتكم بحق فأسلموا] قالوا: ما نعلمه!! قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قالها ثلاث مرار. قال: [فأي رجل فيكم عبدالله بن سلام؟] قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: [أفرأيتم إن أسلم]، قالوا حاشى لله ما كان ليسلم. قال: [يا ابن سلام اخرج عليهم] فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبت فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. (هذا لفظه)

وفي رواية: فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق قالوا: شَرُّنا وابن شَرِّنا، وتنقصوه، فقال: يا رسول الله هذا الذي كنت أخاف!!

وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أخبرنا الأصم حدثنا محمد بن إسحاق الصنعاني ثنا عبدالله بن أبي بكر ثنا حميد عن أنس. قال: سمع عبدالله بن سلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض له - فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟

قال: [أخبرني بهن جبريل آنفاً]. قال: جبريل؟ قال: [نعم]، قال: عدو اليهود من الملائكة. ثم قرأ{قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} قـال: [أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق تسوقهم إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نَزَعَ الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد].

فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وأنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني.

فجاءت اليهود، فقال: [أي رجل عبدالله فيكم؟] قالوا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: [أرأيتم إن أسلم؟]، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبدالله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله. قالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. (رواه البخاري عن عبدالله بن منير عن عبدالله بن أبي بكر به ورواه عن حامد بن عمر عن بشر بن المفضل عن حميد به).

قال محمد بن اسحاق: حدثني عبدالله بن أبي بكر عن يحيى بن عبدالله عن رجل من آل عبدالله بن سلام. قال: كان من حديث عبدالله بن سلام حين أسلم، وكان حبراً عالماً. قال: لما سمعت برسول الله، وعرفت صفته واسمه وهيئته و(زمانه) الذي كنا نتوكف له، فكنت بقباء مسراً بذلك صامتاً عليه حتى قـدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة، فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت، فقالت عمتي حين سمعت تكبيري لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت، قال: قلت لها أي عمة. والله هو أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به. قال: فقالت له: يا ابن أخي أهو الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة؟ قال: قلت لها: نعم، قالت: فذاك إذاً.

قال: فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من اليهود وقلت: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك لتغيبني عنهم، ثم تسألهم عني فيخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي فإنهم إن يعلموا بذلك بهتوني وعابوني، (وذكر نحو ما تقدم). قال: فاظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث.

وقـال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني عبدالله بن أبي بكر حدثني محدث عن صفية بنت حيي قالت: لم يكن أحـد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني، لم ألقاهما في ولد لهما قط اهش إليهما إلا أخذاني دونه، فلما قـدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء (قرية بني عمرو بن عوف) غدا إليه أبي وعمي أبو ياسر بن أخطب مُغَلِّسين، فوالله ما جاآنا إلا مع مغيب الشمس فجاآنا فاتِرَيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع فوالله ما نظر إلى واحـد منهما!! فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم والله! قال: تعرفه بنعته وصفته؟ قال: نعم والله! قال: فماذا في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت!!

وذكـر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب إليه وسمع منه وحادثه، ثم رجع إلى قومه فقال: يا قـوم أطيعوني فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرون فاتبعوه ولا تخالفوه، فانطلق أخوه حيي بن أخطب وهو يومئذ سيد اليهـود، وهما من بني النضير، فجلس حيي بن أخطب إلى رسول الله وسمع منه، ثم رجع إلى قومه وكان فيهم مطاعاً فقال: أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدواً أبداً. فقـال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أم أطعني في هذا الأمر، واعصني فيما شئت بعده لا تهلك، قال: لا والله لا أطيعك أبداً، واستحوذ عليه الشيطان واتبعه قومه على رأيه.

قلت (أي الزهري): أما أبو ياسر بن الأخطب فلا أدري ما آل إليه أمره، وأما حيي بن أخطب والد صفية بنت حيي فشرب عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولم يزل ذلك دأبه لعنه الله حتى قتل صبراً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل مقاتلة بني قريظة.

هرقل قيصر الروم الأكبر ورئيس الكنيسة الشرقية:

قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أن عبدالله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟

فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً.

فقال: ادنوه مني وقربوا أصحـابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال ترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عليه. ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟

قلت: هو فينا ذو نسب.

قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا.

قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا.

قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.

قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا.

قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.

قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة.

قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم.

قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا سجال ينال منا وننال منه.

قال: بماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول. فذكرت أن لا. فقلت: لو أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا. قلت: لو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغـدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه!!! ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك (بدعاية) الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين {يا أهل الكتاب تعالـوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا. فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أَمِرَ أَمْرُ بن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفـر فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله عَلَيَّ الإسلام.

وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل سقفاً على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم أيلياء أصبح يوماً خبيث النفس فقـال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت ملك الختان قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود فلا يهمنك شأنهم واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود.

فبينا هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظر إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم.

وسار هرقل إلى حمص فلم ير حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب!!! فوجدوها قد غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان قال: ردوهم علي. وقال إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه فكان ذلك آخر شأن هرقل.

ومن دلالات هذا الحديث:

1) يقين هرقل بأن محمداً هو رسول الله الخاتم حقاً وصدقاً وأنه سيملك أرض بيت المقدس وقد وقع هذا تماماً كما توقعه هرقل حيث قال لأبي سفيان (لئن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين).

2) الذي منع هرقل من إعلان الإيمان ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم هو نفرة الروم وتعصبهم لدينهم الباطل وقد ضنَّ هرقل بملكه وخشى إن أظهر الإسلام أن يفقد سلطانه فبقي على كفره إلى أن مات عليه بعد أن طاردته خيل المسلمين بعد موقعة اليرموك.

3) أسلم ابن الناطور وكان قرين هرقل في العلم بدين النصرانية وكان حاضراً الأسئلة التي وجهها هرقل لأبي سفيان، وشهد ابن الناطور ظهور الإسلام ودخول المسلمين إلى بلاد الشام وهو الذي حدث بما كان من شأن قريش عندما جمعهم في حمص.

فشهادة هرقل بأن محمداً هو رسول الله حقاً وصدقاً إنما كانت شهادة عن يقين وبرهان وليس تقليداً وظناً وتخمنياً، ولكن الله سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

***********

*****