بسم الله الرحمن الرحيم

مفصل دلائل النبوة

(7)

إخبار النبي صلى الله عليه وسلم

بما يقع في أمته من الفتن منذ وفاته وإلى قيام الساعة

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

من أعلام نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ودلائل صدقه، وصدق ما جاء به، إخباره صلى الله عليه وسلم بما يقع بعده في أمته من الفتن الصغار والكبار وإلى قيام الساعة، ومجيء الأمر على ما حدث به.

والآن بيننا وبين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية وأربعمائة وألف من السنين، وقد وقع فيها عدد كبير جداً من الفتن والأحداث العظام، وكلها وقعت على النحو الذي حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم تماماً.

وبقيت أحداث كثيرة، وفتن أخرى نسأل الله أن يعصمنا منها بفضله وإحسانه وكرمه، ولا شك أن كلها واقعة على النحو الذي حدث به رسول الله تماماً.

وسنعرض بحول الله في المقالات الآتية مجموعة كبيرة مما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم مما وقع، ومما لم يقع ليكون هذا زيادة في إيمان المؤمن، ودليلاً للشاك المتحير، وحجة على المعاند وشفاءاً لمن في قلبه مرض ممن أراد الله شفاءه، وتبصيراً للمؤمن أن يقع في شيء مما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة ونحن في العصر الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: [بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل] (رواه مسلم)

فنسأل الله أن يعصمنا وإخواننا المؤمنين من الفتن كلها، ما ظهر منها وما بطن، وما مضى منها، وما وقع، وما يأتي فإنه (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم).

(1) النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه من بعد صلاة الفجر إلى المغرب فيحدثهم لكل فتنة منذ وقته وإلى قيام الساعة:

روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى عمرو بن أخطب: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا. (رواه مسلم)

(2) إخباره صلى الله عليه وسلم بتوالي الفتن بعده والواجب على المسلم تجاهها:

قال مسلم رحمه الله: حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قال إسحاق أخبرنا وقال زهير حدثنا جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبدالله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه، فأتيته فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلاً، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجئ فتنة فيرقق بعضها بعضاً، وتجئ الفتن فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجئ الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعمه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر]، فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا والله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}. قال: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله وأعصه في معصية الله. (3/1472)

(3) الفتنة التي تموج كموج البحر: مقتل عمر بن الخطاب، والخروج على عثمان، ووقوع السيف في أمة الإسلام!!

أعظم الفتن شراً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفتنة الكبرى التي تموج كموج البحر، والتي لا ينتهي شرها إلى قيام الساعة هي: افتراق أمة الإسلام شيعاً وأحزاباً يقاتل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ووقوع السيف بين المسلمين في حرب الجمل وصفين، وقد كانت بداية هذه الفتنة، وكسر الباب المغلق دونها هو قتل الفاروق عمر بن الخطاب الذي جعله سداً للفتن، فلما قتل انكسر السد، وفتح الباب على مصراعيه، فبدأ الخلاف صغيراً، ثم انتهى كبيراً بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم انهارت الوحدة الجامعة والألفة المانعة، وانقسم معسكر الإسلام إلى معسكرين، وراح السيف الإسلامي يحطم السيف الإسلامي، وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم بكل ذلك، ووقع الأمر كما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم.

(4) الفتنة التي تموج كموج البحر:

فقد روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه قال: حدثنا عمرو بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا شقيق: سمعت حذيفة يقول: بينا نحن جلوس عند عمر إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك؟ ولكن التي تموج كموج البحر؟ فقال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها باباً مغلقاً. قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: لا. بل يكسر. قال عمر: إذاً لا يغلق أبداً!!. قلت: أجل.

قلنا لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غدٍ ليلة، وذلك أني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأله مَنِ الباب؟، فأمرنا مسروقاً فسأل فقال: من الباب؟ قال: عمر.

وفي هذا الحديث من الدلائل:

(1) إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن الفتنة الكبرى التي تموج كموج البحر لا تقع في المسلمين إلا بعد مقتل عمر بن الخطاب، وقد كان.

(2) إخباره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان باباً وسداً للفتنة، وقد كان الأمر كما حدث به تماماً صلى الله عليه وسلم، فإن خلافته كانت رشداً ونصحاً للأمة، وفيها تمت الفتوح الكبرى، وانتظم عقد أهل الإسلام جميعاً، ولم يحصل في خلافته خلاف بين المسلمين، وكانوا كأنهم على قلب رجل واحد.

(3) ومن أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إخباره بأن عمر يكون خليفة للناس وتجتمع الأمة عليه، وتعصم الأمة به من الفتنة، وكل هذا كان إخباراً بغيب لم يقع، وقد وقع على النحو الذي حدث به تماماً صلوات الله وسلامه عليه.

(4) إخباره بأن عمر يقتل شهيداً وقد كان عمر يعلم ذلك تماماً، ويدعو أن تكون شهادته في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقعت في محراب النبي صلى الله عليه وسلم، وكسر الباب الذي كان عاصماً من الفتنة.

(5) لم يكن جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعلمون تفصيلات هذه الأمور، فإن منهم الحافظ، ومنهم غير الحافظ، ومنهم الفقيه الذي يعلم الفحوى والإشارة والمعنى المؤول، ومنهم من لم يدرك ذلك.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث في الأمور المستقبلية غالباً بالرمز والإشارة كما هو الحال في الرؤيا، فإنها تحتاج إلى التعبير والتأويل، كما سمي هنا عمر باباً للفتنة، وأنه يكسر ولا يفتح، وكان معنى كونه باباً أن وجوده كان عاصماً ومانعاً من دخول الفتنة على المسلمين وكون الباب يكسر أي أنه يقتل.

(5) إخباره صلى الله عليه وسلم بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه مظلوماً شهيداً:

قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر عن شريك بن عبدالله بن سعيد بن المسيب عن أبي موسى الأشعري قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في إثره، فلما دخل الحائط جلست على بابه وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرني، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وقضى حاجته، وجلس على قف البئر فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فجاء أبو بكر يستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك!! فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله أبو بكر يستأذن عليك؟ قال: [ائذن له وبشره بالجنة فدخل]، فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فجاء عمر فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك!! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ائذن له وبشره في الجنة]. فجاء عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فكشف عن ساقيه فدلاهما في البئر، فامتلأ القف فلم يكن فيه مجلس، ثم جاء عثمان فقلت كما أنت حتى استأذن لك!! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه]!! فدخل فلم يجد معهم مجلساً فتحول حتى جاء مقبلهم على شفة البئر، فكشف عن ساقيه ثم دلاهما في البئر، فجعلت أتمنى أخا لي وأدعو الله أن يأتي.

قال ابن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم، اجتمعت ههنا وانفرد عثمان. وهذا الحديث رواه الإمام البخاري.

وقال الترمذي رحمه الله: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، أخبرنا شاذان الأسود بن عامر عن سنان بن هارون عن كليب بن وائل عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال: يقتل هذا فيها مظلوماً لعثمان بن عفان رضي الله عنه!!

وقال الإمام أحمد رحمه الله: ثنا أبو المغيرة، قال ثنا الوليد بن سليمان، قال حدثني ربيعة بن يزيد عن عبدالله بن عامر عن النعمان بن بشير عن عائشة قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن عفان، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأينا رسول الله، أقبلت إحدانا على الأخرى، فكان من آخر كلام كَلَّمَه أن ضرب منكبه، وقال: [يا عثمان إن الله عز وجل عسى أن يلبسك قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني!! يا عثمان أن الله عسى أن يلبسك قميصاً فإن أرادك المنافقون وعلى خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني]!! (ثلاثاً)، فقلت لها: يا أم المؤمنين فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيته والله فما ذكرته!!

قال:فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين أن اكتبي إلي به فكتبت إليه به كتاباً.

وفي هذه الأحاديث من الفوائد ودلائل النبوة ما يلي:

1- بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر بالجنة دليل على صدق الصديق وأمانته وإيمانه، وأنه يبقى على الإسلام وفياً له كما كان في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد وقع الأمر على هذا النحو فكان الصديق صديقاً، وقائماً بالأمر بعده كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وبشر، وقد مات يوم مات والمسلمون جميعاً راضون عنه، شاكرون لصنيعه رضي الله عنه وأرضاه.

2- وكذلك كانت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه بالجنة دليلاً على صدقه وأمانته وإيمانه، وبقائه على الإسلام، وقد وقع الأمر كما بشر النبي صلى الله عليه وسلم.

3- وبشارة النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه بالجنة دليل على بقائه رضي الله عنه على الإسلام وإحسانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما أحسن في حياته صلى الله عليه وسلم، وقد كان، فقد كان رضي الله عنه الخليفة الراشد الذي اجتمعت الكلمة عليه، وامتدت الفتوح في عهده حتى وقف المسلمون عند أسوار القسطنطينية، وتم فتح فارس بكاملها، ووصل الفتح غرباً إلى المحيط الأطلسي... ثم إنه وقعت له البلوى التي أخبره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: [إئذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه]، وقد وقعت البلوى وهي خروج من خرج عليه ممن يريد نزع الخلافة منه. وقد قال له الرسول صلى الله عليه وسلم هذا بالإشارة لا بالتصريح كما جاء في الحديث: [يا عثمان إن الله عز وجل عسى أن يلبسك قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني!! يا عثمان أن الله عسى أن يلبسك قميصاً فإن أرادك المنافقون وعلى خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني]!! (ثلاثاً)

فكان القميص الخلافة، وكان المراد من نزع القميص عنه نزع الخلافة منه، ولذلك لم يجبهم عثمان رضي الله عنه إلى ما أرادوه تمسكاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره، وقد قتل رضي الله عنه يوم قتل مظلوماً شهيداً تالياً للقرآن مقيماً للصلاة، قائماً بالدين.

وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بما يقع له من البلوى، ومحاولة انتزاع الخلافة منه ووقوع الأمر كما حدث صلى الله عليه وسلم من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وقد اطلع عليه رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم.

(6) تحذيره صلى الله عليه وسلم من القتال في الفتنة، وتوجيهه أصحابه إلى الهرب منها ولو في رؤوس الجبال:

فقد روى الإمام البخاري رضي الله عنه بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن]

وقال الإمام البخاري أيضاً:

حدثنا عبدالعزيز الأويسي حدثنا إبراهيم عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به] (6/612) وقد نفع الله بحديث النبي صلى الله عليه وسلم هذا طائفة عظيمة اعتزلوا القتال عندما وقع السيف بين المسلمين، وابتعدوا بأنفسهم عن القتال. منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما، ومحمد بن سلمة الأنصاري، وغيرهم.

(7) تحذيره صلى الله عليه وسلم زوجاته من الخروج في الفتنة، وإخباره أن واحدة تخرج وتنبح عليها كلاب الحوأب:

وقد وقع الأمر كما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم، فقد خرجت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مع طلحة بن عبدالله رضي الله عنه الزبير بن العوام رضي الله عنه تريد الإصلاح بين الناس ولما كانت بالطريق إلى العراق مرت على ماء يسمى ماء الحوأب، فنبحتها كلاب، فسألت: أي ماء هذا؟ فقالوا: ماء الحوأب!! فقالت: إني راجعة!! وتذكرت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام أحمد قال: ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن عائشة قالت: لما أتيت على الحوأب سمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: [أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب].

فقال لها الزبير: ترجعين؟!! عسى الله عز وجل أن يصلح بك بين الناس. (6/97)

فاستمرت رضي الله عنها في مسيرها بعد مقالة الزبير رضي الله عنه، ووقع ما وقع من حرب الجمل وقد ندمت رضي الله عنها على حضورها هذه الحرب، وكانت فتنة كما قال عمار بن ياسر رضي الله عنه لمن احتج بخروجها: والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم بها أتطيعونه أم تطيعونها!!

(8) إخباره صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر رضي الله عنه بأن الفئة الباغية تقتله:

ومن دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم إخباره عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه يموت شهيداً، وأن الذين يقتلونه هم الفئة الباغية... وكان إخبار الرسول له في أول مقدم النبي إلى المدينة والمسلمون يبنون مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان كل رجل يحمل لبنة لبنة، وأما عمار فكانوا يحملونه لبنتين لبنتين، فقال: قتلوني يا رسول الله!! فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عنه ويقول: [ويح عمار تقتله الفئة الباغية]!!

ولما حضر عمار موقعة صفين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أهل المعسكرين ينتظرونه ويترقبون من الذي سيقتل عمار بن ياسر ليعلموا أي الطائفتين على الحق، ومن هي الطائفة الباغية!!

فقد روى الإمام البخاري رحمه الله قال: حدثنا مسدد قال حدثنا عبدالعزيز بن مختار قال حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فينفض التراب عنه ويقول: [ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار]. قال: يقول عمار أعوذ بالله من الفتن. (رواه البخاري 1/51)

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: (فائدة): روى حديث تقتل عماراً الفئة الباغية جماعة من الصحابة منهم قتادة بن النعمان كما تقدم وأم سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبدالله بن عمرو بن العاص عن النسائي، وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع، وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمار نفسه وكلها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة أو حسنة وفيه عن جماعة آخرين يطول عدهم وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعلي ولعمار، ورد على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيباً في حروبه.

قلت: مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه في سنة ست وثلاثين في موقعة صفين، فيكون إخبار النبي صلى الله عليه وسلم قد وقع قبل ست وأربعين سنة!! وقد وقع الأمر كما حدث به صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

(9) إخباره صلى الله عليه وسلم باجتماع أمة الإسلام بعد الفرقة بالصلح الذي قام به الحسن بن علي رضي الله عنهما، وحقن به وماء المسلمين وجمع به كلمتهم:

فقد روى الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبدالله بن محمد ثنا سفيان عن أبي موسى قال سمعت الحسن يقول: استقبل الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين- أي عمرو!! إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس -عبدالرحمن بن سمرة وعبدالله بن عامر بن كريز- فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلباً إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنوا عبدالمطلب قد أصبنا من هذا المال، وأن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به فصالحه. فما سألهما شيئاً إلا قالا على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. قال أبو عبدالله: قال لي علي بن المديني: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث. (5/305)

قلت: وهذا الحديث من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وعلامات نبوة صدقه، فإن هذا الصلح قد وقع في سنة إحدى وأربعين من هجرته، وهذا الذي حدث به النبي غيب من لا يعلمه إلا الله، وقد اطلع نبيه عليه فحدث به، ووقع الأمر كما حدث به تماماً صلى الله عليه وسلم.

***********

*****