بسم الله الرحمن الرحيم

مفصل دلائل النبوة

(8)

إخباره صلى الله عليه وسلم بخلافه

الصديق والفاروق، وذي النورين، وأبي تراب علي بن أبي طالب

رضي الله عنهم جميعا

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمور تفصيلية عقب وفاته، ووقع الأمر في كل ذلك كما حدث النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه، والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأبي تراب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإخباره عمر أنه يموت شهيداً فكان، وعثمان أنه يقتل مظلوماً فكان، وعلي بن أبي طالب أنه يضرب بالسيف على رأسه حتى؟ تختضب لحيته من دمه فكان، وأخبر أن زوجته زينب هي أول زوجته لحوقاً به فكان، وأن ابنته فاطمة أول من يلحق من أهل بيته فكان، وأخبر سعد بن أبي وقاص أنه يخلف بعد إصابة حتى يفتح الله على يديه وقد كان...

وكل هذا الذي حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يطلع عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله، ولو لم يكن من دليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم عن بهذا الغيب هذا الغيب، ومجيء الأمر كما حدث به صلى الله عليه وسلم لكفى بهذا دليلاً.

والآية إلى ما رواه علماء الحديث من تفصيلات هذه الأخبار:

عن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [رأيت الناس مجتمعين في صعيد فقام أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين وفي بعض نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها عمر فاستحالت بيده غرباً. فلم أر عبقرياً في الناس يفري فرية، حتى ضرب الناس بعطن]

وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: [مروا أبا بكر يصلي بالناس]. قالت عائشة: قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل. فقال: [مروا أبا بكر فليصل للناس]. قالت عائشة لحفصة: قولي له إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مه إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل للناس]. قالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً. (رواه البخاري)

وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك -كأنها تقول الموت- قال صلى الله عليه وسلم: [إن لم تجديني فأتي أبا بكر] (رواه البخاري)

وعن سمرة بن جندب: أن رجلاً قال: يا رسول الله إني رأيت كأن دلواً دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شرباً ضعيفاً، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها، فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء] (رواه أبو داود)

وروى البخاري رحمه الله فقال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن سعيد عن قتادة أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف فقال: [اثبت أحد فإن عليك نبي وصديق وشهيدان].

وعن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً] قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً.

قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق. (رواه مسلم)

قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا عن فراس عن عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [مرحباً يا ابنتي]، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثاً فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي فبكيت فقال: [أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين؟] فضحكت لذلك. (متفق عليه)

وقال البخاري رحمه الله: حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنته في شكواه التي قبض فيها: فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها فضحكت قالت: فسألتها عن ذلك فقالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته اتبعه فضحكت.

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: [لا]. فقلت: بالشطر؟ فقال: [لا]. ثم قال: [الثلث والثلث كبير -أو كثير- إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجر بها، حتى ما تجعل في في امرأتك] فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: [إنك لن تخلف فتعمل عملاً صالحاً إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم امض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة]، يرثي له رسول الله أن مات بمكة. (رواه البخاري)

***********

*****