بسم الله الرحمن الرحيم

مفصل دلائل النبوة

(10)

إخباره صلى الله عليه وسلم بالنار

التي تخرج من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى الشام ووقوع الأمر كما أخبر به في عام 645هـ

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

ومن أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وآيات صدقه إخباره بخروج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى، ووقوع الأمر كما أخبر صلى الله عليه وسلم وذلك في عام 645هـ من الهجرة.

فقد روى الإمام البخاري رحمه الله قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب، أخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى].

قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: "قوله [حتى تخرج نار من أرض الحجاز] قال القرطبي في التذكرة: قد خرجت نار الحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادي الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة ترى في صورة البلد العظيم عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وإذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد يأخذ الصخور بين يديه وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة ، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى، وقال النووي: تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام، وقال أبو شامة في ذيل الروضتين: وردت في أوائل شعبان سنة أربع وخمسين كتب من المدينة الشريفة فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين، فذكر هذا الحديث، قال: فأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب، فذكر نحو ما تقدم.

ومن ذلك أن في بعض الكتب: أول جمعة من شهر جمادي الآخرة في شرقي المدينة، وسال منها واد مقداره أربع فراسخ وعرضه أربع أميال يجري على وجه الأرض ويخرج منه رماد وجبال صغار، وفي كتاب آخر: ظهر ضوؤها إلى أن رأوها من مكة، قال: ولا أقدر أصف عظمها، ولها دوي. قال أبو شامة: ونظم الناس في هذا أشعاراً، ودام أمرها أشهراً، ثم خمدت" انتهي.

وقد وصف الإمام ابن كثير رحمه الله في كتابه البداية والنهاية خير هذه النار ثقلاً عن أبي شامة المقدسي فقال في أحداث سنة أربع وخمسين وستمائة: "فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه الذيل وشرحه، واستحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة وكيفية خروجها وأمرها، وهذا محرر في كتاب: دلائل النبوة من السيرة النبوة في أوائل هذا الكتاب، ولله الحمد والمنة، وملخص ما أورده أبو شامة أنه قال: وجاء إلى دمشق كتب من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، بخروج نار عندهم في خامس جمادي الآخرة من هذه السنة، وكتبت الكتب في خامس رجب، والنار بحالها، ووصلت الكتب إليها في عاشر شعبان ثم قال:

بسم الله الرحمن الرحيم، ورد إلى مدينة دمشق في أوائل شعبان من سنة أربع وخمسين وستمائة كتب من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى] فأخبرني من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب. قال: وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكان في دار كل واحد منا سراج، ولم يكن لها حر ولفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات الله عز وجل.

قال أبو شامة: وهذه صورة ما وقفت عليها من الكتب الواردة فيها:

لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادي الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوي عظيم، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان والسقوف والأخشاب والأبواب، ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نار عظيمة في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات، وقد سالت أودية بالنار إلى وادي شظاً مسيل الماء، وقد مدت مسيل شظاً وما عاد يسيل والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيراناً، وقد سدت الحرة طريق الحاج العراقي، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجئ إلينا، ورجعت تسيل في الشرق فخرج من وسطها سهود وجبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى في كتابه: {إنا ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر} وقد أكلت الأرض، وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمائة والنار في زيادة ما تغيرت، وقد عادت إلى الحرار في قريظة طريق عير الحاج العراقي إلى الحرة كلها تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج، وأما أم النار الكبيرة فهي جبال حمر، والأم الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة، وقد زادت وما عاد الناس يدرون أي شيء يتم بعد ذلك، والله يجعل العاقبة إلى خير، فما أقدر أصف هذه النار.

قال أبو شامة: في كتاب آخر ظهر في أول جمعة من جمادي الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ووقع في شرقي المدينة المشرفة نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم: انفجرت من الأرض وسال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، ثم وقفت وعادت إلى الساعة، ولا ندري ماذا نفعل، ووقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم عليه الصلاة والسلام مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى، وهذه دلائل القيامة.

قال: وفي كتاب آخر لما كان يوم الاثنين مستهل جمادي الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة وقع بالمدينة صوت يشبه صوت الرعد تارة وتارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور تعقب الصوت الذي نسمعه زلازل، فلما كان يوم الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي برأي العين من المدينة نشاهدها وهي ترمي بشرر كالقصر، كما قال الله تعالى ، وهي بموضع يقال له أجيلين، وقد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه قامة ونصف، وهو صخر يذوب حتى يبقى ويخرج منها أمهاد وجبال صغار، وتسير على وجه الأرض وهو صخر يذوب حتى يبقي مثل الآنك، فإذا جمدت صار أسود، وقبل الجمود لونه أحمر، وقد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بالطاعات، وخرج أمير المدنية عن مظالم كثيرة إلى أهلها.

قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: ومن كتاب شمس الدين بن سنان بن عبدالوهاب بن نميلة الحسينس قاضي المدينة إلى بعض أصحابه: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادي الآخرة حدث بالمدينة بالثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، وباتت باقي تلك الليلة تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات، والله لقد زلزلت مرة ونحن حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب لها المنبر إلى أن أوجسنا منه إذ سمعنا صوتاً للحديد الذي فيه واضطربت قناديل الحرم الشريف، وتمت الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوي مثل دوي الرعد القاصف، ثم طلع يوم الجمعة في طريق الحرة في رأس أجيلين نار عظيمة مثل المدينة العظيمة، وما بانت لنا إلا ليلة السبت وأشفقنا منها وخفنا خوفاً عظيماً، وطلعت إلى الأمير كلمته وقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله تعالى، فأعتق كل مماليكه ورد على جماعة أموالهم، فلما فعل ذلك قلت اهبط الساعة معنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهبط وبتنا ليلة السبت والناس جميعهم والنسوان وأولادهم، وما بقي أحد لا في النخيل ولا في المدينة إلا عند صلى الله عليه وسلم، ثم سال منها نهر من نار، وأخذ في وادي أجيلين وسد الطريق ثم طلع إلى بحرة الحاج وهو بحر نار يجري، وفوقه جمر يسير إلى أن قطعت الوادي الشظا، وما عاد يجيء في الوادي سيل قط لأنها حضرته نحو قامتين وثلث علوها، والله يا أخي إن عيشتنا اليوم مكدرة والمدينة قد تاب جميع أهلها، ولا بقي يسمع فيها رباب، ولا دف ولا شرب وتمت النار تسيل إلى أن سدت بعض طريق الحاج وبعض بحرة الحاج، وجاء في الوادي إلينا منها يسير وخفنا أن يجيئنا فاجتمع الناس ودخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وتابوا عنده جميعهم ليلة الجمعة، وأما قتيرها الذي مما يلينا فقد طفيء بقدرة الله وأنها إلى الساعة وما نقصت إلا ترى مثل الجمال حجارة ولها دوي ما يدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب، وما أقدر أصف عظمها ولا ما منها من الأهوال، وأبصرها أهل ينبع، وندبوا قاضيهم ابن أسعد وجاء وعد إليها، وما صبح يقدر يصفها من عظمها، وكتب الكتاب يوم خامس رجب وهي على حالها والناس منها خائفون، والشمس والقمر من يوم ما طلعت ما يطلعان إلا كاسفين فنسأل الله العافية.

قال أبو شامة: وبان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، وكنا حيارى من ذلك إيش هو؟ إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار.

قلت: وقد كان أبو شامة قد أرخ قبل مجيء الكتب بأمر هذه النار فقال: وفيها في ليلة الاثنين السادس عشر من جمادي الآخرة خسف القمر أول الليل، وكان شديد الحمرة ثم انجلى، وكسف الشمس، وفي غده احمرت وقت طلوعها وغروبها وبقيت كذلك أياماً متغيرة الليل اللون ضعيفة النور، والله على كل شيء قدير، ثم قال: واتضح بذلك ما صوره الشافعي من اجتماع الكشوف والعيد، واستبعده أهل النجامة.

ثم قال أبو شامة: ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشاني بالمدينة يقول فيه: وصل إلينا في جمادي الآخرة نجابة من العراق وأخبروا عن بغداد أنه أصابها غرق عظيم حتى طفح الماء من أعلى أسوار بغداد إليها، وغرق كثير منها، ودخل الماء دار الخلافة وسط السلاح شيء كثير، وأشرف الناس علىالهلاك وعادت السفن تدخل إلى وسط البلدة، وتخترق أزقة بغداد، قال وأما نحن فإنه جرى عندنا أمر عظيم: لم كان بتاريخ ليلة الأربعاء الثالث من جمادي الآخرة ومن قبلها يومين، عاد الناس يسمعون صوتاً مثل صوت الرعد، فانزعج لها الناس كلهم، وانتبهوا من مراقدهم، وضج الناس بالاستغفار إلى الله تعالى، وفزعوا إلى المسجد وصلوا فيه، وتمت ترجف بالناس ساعة بعد ساعة إلى الصبح، وذلك اليوم كله يوم الأربعاء وليلة الخميس كلها وليلة الجمعة، وصبح يوم الجمعة ارتجت الأرض رجة قوية إلى أن اضطرب منار المسجد بعضه ببعض، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم، وأشفق الناس من ذنوبهم، وسكنت الزلزلة بعد صبح يوم الجمعة إلى قبل الظهر، ثم ظهرت عندنا بالحرة وراء قريظة على طريق السوارقية بالمقاعد مسيرة من الصبح إلى الظهر نار عظيمة تنفجر من الأرض، فارتاع لها الناس روعة عظيمة، ثم ظهر لها دخان عظيم في المساء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض، فيصل إلى قبل مغيب الشمس من يوم الجمعة، ثم ظهرت النار لها ألسن تصعد في الهواء إلى السماء حمراء كأنها القلعة، وعظمت، وفزع الناس إلى المسجد النبوي وإلى الحجرة الشريفة، واستجار الناس بها وأحاطوا بالحجرة وكشفوا رءوسهم، وأقروا بذنوبهم وابتهلوا إلى الله تعالى، واستجاروا بنبيه عليه والصلاة والسلام، وأتى الناس إلى المسجد من كل فج ومن النخل، وخرج النساء من البيوت والصبيان، واجتمعوا كلهم وأخلصوا إلى الله، وغطت حرة النار السماء كلها حتى بقى الناس في مثل ضوء القمر، وبقيت السماء كالعلقة، وأيقن الناس بالهلاك أو العذاب، وبات الناس تلك الليلة بين مصل وتال للقرآن وراكع، وساجد، وداع إلى الله عز وجل، ومتنصل من ذنوبه ومستغفر وتائب ولزمت النار مكانها وتناقص تضاعفها ذلك ولهيبها، وصعد الفقيه والقاضي إلى الأمير يعظمونه، فطرح المكس وأعتق مماليكه كلهم وعبيده، ورد علينا كل ما لنا تحت يده، وعلى غيرنا، وبقيت تلك النار على حالها تلتهب التهاباً، وهي كالجبل العظيم ارتفاعاً وكالمدينة عرضاً، يخرج منها حصى يصعد في السماء ويهوى فيها ويخرج منها كالجبل العظيم نار ترمي كالرعد، وبقيت كذلك أياماً ثم سالت سيلاناً إلى وادي أجيلين تنحدر مع الوادي إلى الشظا، حتى لحق سيلانها بالبحرة بحرة الحاج، والحجارة معها تتحرك وتسير حتى كادت تقارب حرة العريض، ثم سكنت ووقفت أياماً، ثم عادت ترمي بحجار خلفها وأمامها، حتى بنت لها جبلين وما بقي يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياماً، ثم إنها عظمت وسناؤها إلى الآن، وهي تتقد كأعظم ما يكون، ولها كل يوم صوت عظيم في آخر الليل إلى ضحوة، ولها عجائب ما أقدر أن أشرحها لك على الكمال، وإنما هذا طرف يكفي، والشمس والقمر كأنهما منكسفان إلى الآن، وكتب هذا الكتاب، ولها شهر وهي في مكانها ما تتقدم ولا تتأخر.

وقد قال فيها بعضهم أبياتاً:

يا كاشف الضر صفحاً عن جرائمنا

لقد أحاطت بنا يا رب بأســـاء

نشكـو إليك خطوباً لا نطيق لهــا

حملاً ونحن بها حقــاً أحقــاء

زلازل تخشــع الصم الصلاب لها

وكيف يقوى على الزلزال شمـاء

أقام سبعاً يـرج الأرض فانصدعت

عن منظر منه عين الشمس عشواء

بحر من النـــار تجري فوقه سفن

من الهضاب لها في الأرض أرساء

كأنما فوقه الأجبـــال طافيـــة

موج عليه لفرط البهج وعثـــاء

ترمي لها شرراً كالقصـــر طائشة

كأنها ديمة تنصب هطـــــلاء

تنشق منها قلوب الصخــر إن أزفت

رعباً وترعد مثل السعف أضـواء

منها تكاثف في الجو الدخــــان إلى

أن عادت الشمس منه وهي دهمـاء

قد أثرت سفعة في البــــدر لفتحها

فليلة التم بعد النور ليــــــلا

تحدث النيران السبـــــع ألسنها

بما يلاقي بها تحت الثرى المــاء

وقد أحاط لظاها بالبـــــروج إلى

أن كاد يلحقها بالأرض أهـــواء

فيا لها آية من معجزات رســــول

الله يعقلها القوم الألبـــــــاء

فباسمك الأعظــم المكنون قد عظمت

منا الذنوب وساء القلب أســـواء

فاسمح وهب وتفضل وامح واعف وجد

واصفح فكل لفرط الجهل خطــاء

فقوم يونس لما آمنوا كشف العــذاب

عنهـــــم وعم القـوم نعمــا

ونحن أمة هــــذا المصطفى ولنا

منه إلى عفوك المرجو دعــــاء

فارحم وصل على المختار ما خطبت

على علا منبر الأوراق ورقـــاء

قال ابن كثير رحمه الله: والحديث الوارد في أمر هذه النار مخرج في الصحيحين من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى] وهذا لفظ البخاري.

وقد وقع هذا في هذه السنة -أعني سنة أربع وخمسين وستمائة- كما ذكرنا، وقد أخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي القاسم التميمي الحنفي الحاكم بدمشق في بعض الأيام في المذاكرة، وجرى ذكر هذا الحديث وما كان من أمر هذه النار في هذه السنة فقال: سمعت رجلاً من الأعراب يخبر والدي ببصرى في تلك الليالي أنهم رأوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت في أرض الحجاز.

قلت: وكان مولده في سنة ثنتين وأربعين وستمائة، وكان والده مدرساً للحنفية ببصرى، وكذلك كان جده، وهو قد درس بها أيضاً، ثم انتقل إلى دمشق فدرس بالصادرية وبالمعدمية، ثم ولي قضاء القضاة الحنفية، وكان مشكور السيرة في الأحكام، وقد كان عمره حين وقعت هذه النار بالحجاز ثنتا عشرة سنة، ومثله ممن يضبط ما يسمع من الخبر أن الأعرابي أخبر والده في تلك الليالي، وصلوات الله وسلامه على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وقال ابن الساعي في تاريخ سنة أربع وخمسين وستمائة: في يوم الجمعة ثامن عشر رجب - يعني من هذه السنة كنت جالساً بين يدي الوزير فورد عليه كتاب من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم صحبة قاصد يعرف بقيماز العلوي الحسني المدني، فناوله الكتاب فقرأه وهو يتضمن أن مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم زلزلت يوم الثلاثاء ثاني جمادي الآخرة حتى ارتج القبر الشريف النبوي، وسمع صرير الحديد، وتحركت السلاسل، وظهرت نار على مسيرة أربعة فراسخ من المدينة، وكانت ترمي بزبد كأنه رءوس الجبال، ودامت خمسة عشر يوماً. قال القاصد: وجئت ولم تنقطع بعد، بل كانت على حالها، وسأله إلى أي الجهات ترمي؟ فقال: إلى جهة الشرق، واجتزت عليها أنا ونجابة اليمن ورمينا فيها سعفة، فلم تحرقها، بل كانت تحرق الحجارة وتذيبها، وأحضر قيماز المذكور شيئاً من الصخر المحترق وهو كالفحم لوناً وخفة. قال: وذكر في الكتاب وكان بخط قاضي المدينة أنهم لما زلزلوا دخلوا الحرم وكشفوا رءوسهم مستغفرين حتى سكنت الزلزلة إلا أن النار التي ظهرت لم تنقطع، وجاء القاصد المذكور ولها خمسة عشر يوماً وإلى الآن.

قال ابن الساعي: وقرأت بخط العدل محمود بن يوسف بن الإمعاني شيخ حرم المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، يقول: إن هذه النار التي ظهرت بالحجاز آية عظيمة، وإشارة صحيحة دالة على اقتراب الساعة، فالسعيد من انتهز الفرصة قبل الموت، وتدارك أمره بإصلاح حاله مع الله عز وجل قبل الموت، وهذه النار في أرض ذات حجر لا شجر فيها ولا نبت، وهي تأكل بعضها بعضاً إن لم تجد ما تأكله، وهي تحرق الحجارة وتذيبها، حتى تعود كالطين المبلول، ثم يضربه الهواء حتى يعود كخبث الحديد الذي يخرج من الكير، فالله يجعلها عبرة للمسلمين ورحمة للعالمين، بمحمد وآله الطاهرين.

*************

********