كلمة في رثاء أستاذي وشيخي محمد ناصرالدين الألباني

رحمه الله

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

كنت أقرأ عن الحب من أول نظرة، ولم أعرفه إلا عندما وقع نظري على أستاذي محمد ناصرالدين الألباني لأول مرة، وكان ذلك بعد أن سجلت اسمي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عند أول افتتاح لها، وتعيين الشيخ الإمام محمد بن ابراهيم مفتي المملكة –رحمه الله- رئيساً لها ثم اختيار سماحة والدي الراحل الشيخ عبدالعزيز بن باز نائبا للرئيس.

وانتقل شيخنا ابن باز –رحمه الله- من الرياض إلى المدينة وشرع في استقطاب وانتداب علماء السنة من كل حدب وصوب، ووقع الإختيار لتدريس الحديث النبوي على شيخنا محمد ناصرالدين الألباني، ولم نكد نسمع بمجيئه حتى سارعنا لاستقباله، وعندما وقع بصري عليه لأول مرة امتلأ قلبي محبة له. وقبل أن ينطق أمامي بكلمة، رأيت رجلاً فارع الطول أبيض شديد البياض شعر لحيته رمادي أشهب له عينان زرقاوان كأنهما بحيرتان صافيتان ينبعث منهما شعاع إذا صوبهما يكاد يصل إلى أعماقك وتحس أنه يقرأ أفكارك.

في أول مجلس ضمنا في ديوان سماحة والدنا الراحل عبدالعزيز بن باز رحمه الله، اعتقدت ان الله قد ابتعث لنا محدثاً من العصور السابقة، فقد كانت صورة شيخنا ناصرالدين تماماً كالصور الني كانت ترتسم في عقولنا عن البخاري والنسائي والسجستاني والنيسابوري. لقد كان شيخنا الألباني صورة مطابقة في الشكل الذي كان في خيالنا لأولئك الأئمة ثم في الموضوع علماً بالسنة، وإحاطة بالحديث، وأخذاً بالعزائم، وصدقاً وورعاً..

وعندما طابق شيخنا الألباني ما كان في خيالنا عن محدثي الإسلام الأولين وقعت المحبة. لقد اعتقدت وقتها أنني في صحبة رجل من السلف الأولين.

لازمت الشيخ –رحمه الله- بعد هذا المجلس، وشعرت أنني مع أب ثالث بعد أبي وشيخي عبدالعزيز بن باز رحمه الله، ووالدي الشيخ عبدالخالق رحمه الله.. لقد رأيتنا مع جبل من جبال الحفظ والعلم: عالم دؤوب صبور على البحث والتنقيب، والتحقيق، لا يعرف الكلال ولا الشكوى، يبذل العلم لكل أحد، ويتمنى أن يتعلم طلاب العلم كلهم هذه الصناعة الدقيقة التي أتقنها وهي علم الحديث، يبذل ثمرة بحثه ولو كانت لأيام طوال حول تحقيق حديث، أو فائدة أو أثر يبذله لمن يطلبه مجانا وبغير عوض.

لقد تعلمنا من شيخنا علماً كثيراً كان أبرزه التفكير العلمي، وعدم إطلاق الكلام على عواهنه، وتحقيق عزو كل نقل إلى صاحبه.

تعلمنا منه دروساً غالية في الدعوة إلى الله كان أهمها الإهتمام بالغرس قبل الإهتمام بالحصاد، والعمل للإسلام في كل اتجاه، وبذل العلم للكافة والبعد عن حصره في الدوائر الضيقة.

تعلمنا منه أن ننزع ربقة التقليد وأن نكون من أهل البصيرة والنظر. ولا شك أن هذا قد كان درساً عظيماً ولكنه كان أكبر من عقولنا يوم تلقيناه، فقد كنت آنذاك في بداية العقد الثالث من عمري وحصيلتنا من العلم قليلة ومعرفتنا بعلماء المسلمين محدودة، وغطى ضوء أستاذنا ناصرالدين –في عقولنا- على كل ضوء فأخذنا أقواله كلها.. ثم علمنا بعد ذلك أن اختيارات الشيخ في بعض منها نظر، وأن القول الذي سمعناه منه مراراً وتكراراً عن مالك بن أنس رحمه الله "كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" يعني النبي صلى الله عليه وسلم ينطبق كذلك على شيخنا ناصرالدين.

تعلمنا من شيخنا ناصرالدين العدل والانصاف، والشهادة بالحق والقيام بالقسط.

أما الشيء الذي رأيناه فيه، ولم نستطع أن نتعلمه ونتخلق به فهو الدأب والمثابرة والصبر وسهر الليالي لتحقي نص، وتصحيح عزو، والتحقق من شخصية راوٍ.. أقول عن نفسي لقد رأيت هذا من شيخي الراحل ولكني أشهد أنني لست من هذا الأمر في قليل ولا كثير.

فما زلت أحب أن أكون مقلداً في الحديث لعلماء الإسلام العظام رجال الاستاذ وخاتمتهم عندي شيخي ناصرالدين.

لقد كان شيخنا ناصرالدين رحمه الله شمساً أضاءت أرض الإسلام.. لقد أحدث انقلاباً هائلاً في حياة طلاب العلم في شرق الأرض ومغربها. فقد نبه المسلمين إلى ضرورة الأخذ بالحديث الصحيح وحده، وترك ما عداه، وأنه لا يجوز التساهل في ذلك، وأنه يجب تنقية تراث المسلمين كله في التفسير والتاريخ، والمواعظ، والفقه مما دخله من الحديث الضعيف والموضوع، وأنه يجب على كل مؤلف، وخطيب وواعظ ومتكلم إلا ينسب لرسول الله إلا ما صح عنه،.. لقد كان الناس عمومهم في غفلة شديدة عن هذا الأمر قبل أن يبدأ ناصرالدين مسيرته في العلم والدعوة، ثم بجهاده وجهوده حول هذا الأمر إلى واقع يسري في العالم الإسلامي كله.

ولقد هيأ الله لشيخنا ناصرالدين ما لم يتهيأ لغيره من علماء الحديث المعاصرين من وسائل النقل والنشر والشهرة، ولذلك ذاع صيته وعرفه القاصي والداني، وأذعن الجميع لعلمه، وشهد له الموافق والمخالف.

ومع ما كان فيه من العمل الدؤوب في التحقيق والتأليف والدروس والدعوة والمناظرات، فلم ينس أبناءه وتلاميذه.

في يوم الجمعة 21 جمادي الآخرة 1420 هـ – 1/10/1999 تلقيت سلامه وتحيته وسؤاله عني يحمله ابن أخيه الشيخ عبدالله آدم الألباني.

وفي يوم السبت 22 جمادي الآخرة 1420 – 2/10/1999 تلقيت نبأ وفاته.

فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً، وجمعنا وإياه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة.