Article41

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تساؤلات حول مصطلح الوسطية

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث بالدين القويم، إلى يوم الدين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

 

فمنذ بضعة عشر عاماً فقط أصبح لفظ الوسطية متداولاً بصورة واسعة، واستعمله كثير ممن ينسبون إلى الفكر الإسلامي، والسياسة، والعلم الشرعي.

 

وأصبح شأنه كشان كثير من المصطلحات التي لا اتفاق حول مدلولها، يعطيه كُلٌ معنى مغايراً لما يعطيه الآخر.

 

ولما كان لفظ الوسطية يطلق ويراد به المنهج والشرعة والدين، أو يطلق ويراد به تيار مخصوص من تيارات الأمة، أصبح لزاماً على من يستعملون هذا اللفظ الحادث أن يعلموا ماذا يريدون منه، وماذا يريدون به؟.

 

وأنا أطرح مجموعة من التساؤلات حول هذا المصطلح الجديد في الفكر الإسلامي.

حيث يقول عنه د. محمد عمارة: (إن مصطلح الوسطية من المصطلحات التي عدت عليها العاديات وجارت عليها النائبات فأخرجتها عن معناها الإسلامي الأصيل وأبعدتها عن كونها أخص خصائص منهج الإسلام في الفكر والحياة والنظر والممارسة والتطبيق والقيم والمعايير والأصول.. إلى معان أبعدت النجعة عن فحواها وخالفت أصل مسماها وما عادت تمت إلى الوسطية بصلة، ولا تتعلق فيها بسبب) (انظر معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام – د. محمد عمارة – ص 189).

 

1- هل الوسطية لفظ يراد به الإسلام الحق؟ والحنيفية السمحة؟ والشرعة والمنهج الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أم هو لفظ يراد به الدلالة على منحى خاص؟ ومجموعة مخصوصة من أمة الإسلام اختاروا من عقائده وأحكامه ما رأوا أنه الدين الوسط؟ واعتقاد الفرقة الناجية؟ فيكون بذلك لفظ الوسطية كلفظ (أهل السنة والجماعة) والسلفية والفرقة الناجية ونحو ذلك؟

 

2- هل لهذه (الوسطية) اليوم مرجعية دينية يرجع إليها؟ وتحكم على أن هذا المعتقد أو العبادة أو العمل داخل في معنى الوسطية أو خارج عنها؟ وأين هذا المرجع كتاباً أو أماماً أو شيخاً؟

قد يقال الحنفية أو الشافعية فيعلم بذلك منهج ومذهب، يقال الأشعرية، والمعتزلة فيعلم منهج في الاعتقاد والعمل، والآن إذا قيل الوسطية فماذا يعني ذلك من الدين: عقيدة وشريعة؟!

 

3- إذا كان اللفظ –ولم يمض على تداوله إلا عقد واحد من الزمان أو يزيد قليلاً- أصبح يتكلم فيه أصناف شتى من الناس، وكل يخرج بمفهوم في العقيدة والعمل غير ما يعرضه الآخر، ومنهم من بات يخصص (الوسطية) فيقول الوسطية المستبصرة مما يعني عند قائل ذلك أن هناك وسطية أخرى عوراء أو عمياء..

 

4- عندما يطلق بعض الناس لفظ الوسطية ويريدون بها حسب قولهم الإسلام المعتدل فإن هذا يعني أن هناك إسلاماً غير معتدل عند بعض الناس، فما هو هذا الإسلام الشاذ وغير المعتدل؟ وما ملامح هذا الإسلام الوسط؟!

وهذا سيحتاج إلى بيان معنى الوسطية في العقائد والعبادات والمعاملات.. والشرعة والمنهج، وإلى بيان الخارجين عن هذه الوسطية وسيكون هذا تصنيفاً جديداً لأهل الإسلام يضاف إلى التصانيف السابقة في مسميات الفرق والعقائد..

 

5- أليس من الخير لأهل الإسلام أن يكتفوا بالتصنيف القديم والأسماء التي اشتهرت بها من قبل وأصبح لها مدلول معلوم كأهل السنة والجماعة، ونحو ذلك؟.

وأما العدل والإحسان والإنصاف فإن نصوص الدين كافية في بيان المعنى المراد، والحق، فلماذا نثقل كاهل المسلمين بتسميات أخرى تزيد في الفرقة والشقاق؟

والخوف الأكبر من أن ينتمي إلى هذا المسمى الجديد كل من هب ودب، وينسب إلى مسمى الوسطية ما يشتهي ونخرج في النهاية بمذهب ملفق من أقوال شتى، وأقوام مختلفين.

 

6- بعض من يطلق من يطلق الوسطية يريد بها الوسط الهندسي لنقطة بين طرفين متباعدين، أو موقع بين طرفين، وليس هذا ممدوحاً في الإسلام على كل حال فإن هذا يكون نفاقاً أحياناً فإن النفاق موقف بين الكفر والإيمان كما قال تعالى عن المنافقين:

{مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء}.

ولا بد للمسلم أن يكون مع أهل الإيمان دائماً ومع الحق أبداً {يأيها الذين آمنوا أتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم}، {يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط}، {قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون}، {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأني تصرفون}، [إن الحلال بين وإن الحرام بين]... الحديث.

 

7- وهناك توسط ممدوح جاء به الإسلام، كالتوسط بمعنى الاعتدال في الانفاق بين الإسراف والتقتير، {ولا تجعل يدك مغلوله إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} والتوسط في المشي بين السعي والتماوت، {واقصد في مشيك}.

والتوسط في قراءة الليل بين الجهر والسر، {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها}.

والاعتدال في الحب والبغض [أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض عدوك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما]. صحيح الجامع ص 176.

وإذا كان التوسط في الإسلام ممدوحاً تارة ومذوماً أخرى فإن مصطلح الوسطية إذا أخذ على عمومه فإنه سيكون باباً للفساد، أليس كذلك؟!

 

8- ستكون (الوسطية) جناية جديدة جديدة على أمة الإسلام إذا أريد بها إسقاط بعض أحكامه وإلغاء بعض تشريعه.

فكثير ممن يتصدون لشرح هذه (الوسطية) بجعلها إسلاماً بلا جهاد، ولا قتال، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ولا {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.... الآيات} ولا {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}... ولا {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من افواهم إن يقولون إلا كذبا}!!

 

9- في رأيي أن لفظ الوسطية، لفظ حادث والذين أحدثوه قد اختلفوا فيه، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه المرجع فيه، أو أن فلاناً من الناس هو الذي تنسب الوسطية إليه، ولذلك فإنني أرى أنه سيزيد المسلمين بلاءاً ولن يخدم قضية من قضاياهم، بل سيكثر النزاع حوله، والتنازع فيه، وهكذا الشأن في كل بدعة ابتدعت في الإسلام.

 

10- ألا يكفينا لفظ الإيمان والإسلام، وأهل السنة والجماعة، وجماعة المسلمين ليكون ذلك شعاراً للمرحلة ولكل مرحلة.

 

11- وإذا كان القصد هو النهي عن الغلو، والتطرف والشذوذ، فليكن البحث والشعار حول موقف الإسلام من الأمر الفلاني، أو حكم الإسلام في القضية الفلانية... وهكذا.

فإن الإسلام شعار معلوم ودين واضح المعالم: كتاب منير، وسنة مشرقة، وأمة مهتدية، وأعلام على الهدى: (صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان).

 

                                                                                             وكتبه

                                                                                   عبدالرحمن بن عبدالخالق