الرد على فتوى سماحة مفتي جمهورية مصر العربية

الرد على فتوى سماحة مفتي جمهورية مصر العربية

في حكم الطواف على القبور

 

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

 

العناوين الرئيسية:

- الطواف بالقبور ودعاؤها من دون الله جريمة مركبة من الكفر والشرك والمحاداة لأمر الله وأمر رسوله.

- الأولى دعوة الناس إلى التوحيد والسنة لا إقرارهم على الكفر والشرك وتهوين شأن البدعة عليهم.

- الذين ارتدوا عن الإسلام وكفروا وأشركوا وافترقوا عن طريق الحق من هذه الأمة أكثر من الذين بقوا على الحق.

- حمل أعمال المسلمين على المعنى الحسن ليست إلا فيما يحتمل حقاً وباطلاً، أما ما لا يحتمل إلا بالباطل فلا يحمل على معنى حسن.

 

الفتوى التي نشرت في الوطن عدد 10857 يوم الخميس الموافق 20/4/2006 منسوبة إلى سماحة مفتي مصر الدكتور علي جمعة فتوى باطلة والتي جعل طواف عباد القبور حولها غير داخل في الشرك حيث يقول في آخر الفتوى: "أما إقحام الشرك والكفر في هذه المسألة فلا وجه له، اللهم إلا افتراض أن الطائف يعبد من في القبر أو يعتقد أنه يجلب الضر أو النفع بذاته، أو يعتقد بأن الطواف بالقبر عبادة شرعها الله تعالى كما شرع الطواف بالبيت، وكلها احتمالات ينأى أهل العلم عن حمل فعل المسلم عليها كما سبق. لأن فرض المسألة في المسلم الذي يطوف بالقبر لا في غير ذلك." 

 

وبطلان هذه الفتوى من وجوه كثيرة وهذا بيان لذلك:

أولاً: أنها قد بُنِيَتْ على أصول فاسدة فقد قال سماحة المفتي: "الأصل في الأفعال التي تصدر من المسلم أن تحمل على الأوجه التي لا تتعارض مع أصل التوحيد، ولا يجوز أن نبادر برميه بالكفر أو الشرك، فإن إسلامه قرينة توجب علينا ألا نحمل أفعاله على ما يقتضي الكفر" وهذا أصل فاسد ليس عليه دليل من كتاب أو سنة أو إجماع، بل القرآن والسنة والإجماع على غير ذلك، فإن الله تبارك وتعالى قد أخبر بأن المسلمين إذا شابهوا الكفار في أعمالهم الكفرية كفروا كقوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} وهذا في تحليل الميتة، وقوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوهم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} وقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} وقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، وقوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: [العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر] فمن ترك الصلاة فهو كافر سواء قيل أنه كفراً ناقلاً عن الملة أو أنه كفر دون كفر، فالمسلم إذا وقع منه الكفر كفر وإذا وقع منه الفسق فسق، وليس أعمال المسلمين جميعاً الأصل فيها أنها موافقة الإسلام، بل يحكم على المسلم بحسب عمله إسلاماً أو كفراً أو فسقاً، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلوه، والمشاهد أن كثيراً من المسلمين بل أكثرهم يقع منهم الكفر البواح كسب الله وسب رسوله وسب دين الإسلام والردة، وترك الصلوات، وأفعال الكفر والشرك وما دون ذلك من الكبائر والمعاصي..

فالقول بأن الأصل في أعمال المسلم أن تحمل على الإسلام قول باطل، بل يجب الحكم على عمل المسلم بما حكم به الله ورسوله، فإن عمل مكفراً ينقل عن الدين حكم بكفره، وإن عمل مكفراً لا ينقل عن الملة فالحكم بما حكم به الله ورسوله، وإن فعل فسقاً فسق كقول الله تعالى في القاذف: {وأولئك هم الفاسقون}.

 

ثانياً: قول سماحة المفتي: "والمسلم يعتقد أيضاً أن العبادة لا يجوز صرفها لله وحده، والمشرك يعتقد جواز صرفها لغير الله تعالى فإذا رأينا مسلماً يصدر منه لغير الله ما يحتمل العبادة وغيرها وجب حمل فعله على ما يناسب اعتقاده كمسلم لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يزل عنه بالشك والاحتمال" هذا الكلام ليس على إطلاقه لأن فيه التسوية بين العالم والجاهل وبين المتأول وغيره وبين من قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه الحجة، وبين من ينكر معلوماً من الدين بالضرورة، ومن ينكر أمراً خفياً في الدين، وبين المتأول وغيره، فإن من ينكر معلوماً من الدين بالضرورة فهو كافر قد أجمعت الأمة على كفره،ومن سب الله أو رسوله أو دين الإسلام أو يستهزئ بشيء من الدين فقد فكر، ولا يرفع عنه الكفر كونه مازحاً أو يقول بلسانه ما ليس بقلبه كما قال تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم..} الآية، فكل من وقع منه الكفر بعد انتفاء موانعه أو تحقق شروطه فهو كافر.

 

ثالثاً: إنتفاء الحكم عن معين فعل مكفراً لتأول أو جهل أو إكراه لا ينفي أن يكون العمل الذي ارتكبه كفراً، فإن كل عمل حكم الله تبارك وتعالى أو رسوله بأنه كفر وجب اعتقاد ذلك والحكم به، وإن كان من يقع منه الكفر جهلاً أو تأولاً أو إكراهاً لا يكون كافراً، فالسجود لغير الله كفر، وصرف شيء من العبادة التي اختص الله بها نفسه لغيره شرك، ونفي ما أثبته الله لنفسه أو وصف الله تبارك وتعالى بما لم يصف به نفسه كل هذا من الكفر وإن كان بعض من يفعله لا يكون كافراً لجهل أو تأويل أو إكراه.

وسماحة المفتي أطلق وجوب نفي الكفر عن المسلم مهما عمل من أعمال الكفر وألا يظن به إلا الحق ما دام مسلماً، وإن فعل ما هو كفر بمجرده كسب الله أو سب رسوله، أو صرف عبادة من العبادات التي لا تجوز إلا لله سبحانه وتعالى.

 

رابعاً: قول سماحة المفتي: "فإذا ما حصل خلاف بعد ذلك في بعض أنواع الوسيلة كالتوسل بالصالحين والدعاء عند قبورهم مثلاً أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين فيما لم يشرع كونه وسيلة كالسجود للقبر أو الطواف به، فإنه لا يجوز أن ننقل هذا الخطأ أو ذلك الخلاف من دائرة الوسيلة إلى دائرة الشرك والكفر، لأننا نكون بذلك قد خلطنا بين الأمور وجعلنا التعظيم لله كالتعظيم مع الله" أخرج سماحته أعمال الشرك والكفر التي تقع من المسلمين وجعلها من باب الوسائل وأنها لا تكون شركاً إذا فعلها المسلم، وهذا غير صحيح من وجوه كثيرة فأن الوسيلة التي أمرنا الله بها هي ما شرعه لعباده من وجوه التقرب، أما ما حكم الله بأنه شرك وكفر فليس وسيلة للتقرب إليه، بل سبب لسخطه وغضبه وعقابه، فمن جعل دعاء غيره دعاء عبادة أو سجد لغيره أو ذبح لغيره أو صرف شياً من العبادة التي اختص الله بها نفسه فهو مشرك.

والله سبحانه وتعالى لم يجعل الشرك وسيلة للتقرب إليه كما قال تعالى : {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباًً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}، وقال: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله... الآية}

فالله سبحانه وتعالى لا يُتوسل إليه إلا بما يرضيه وارتضاه لعباده من الأقوال والأعمال والاعتقاد، والشرك به ليس وسيلة إليه، فمن عبد غير الله من الملائكة، أو الرسل، أو الأولياء فقد أشرك وتعرض لسخط الله وعقابه، وإن كان من كان كما قال تعالى: {ولقد أُوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}، وقال تعالى: {لا تجعل مع الله إلهاً آخراً فتقعد مذموماً مخذولاً}، وقال: {ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً} وقال عن أنبيائه ورسله المكرمين الذين عددهم في سورة الأنعام: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}.

فالشرك موجب لسخط الله وإن وقع ممن وقع منه، فإن كان مسلماً كفر، ولا يقال إن المسلم إذا فعل الشرك والكفر لا يحكم عليه بكفر ولا بشرك.

 

خامساً: القول بأن الطواف بالقبور والسجود لها إذا وقع من المسلم لا يكون كفراً ولا شركاً بل هو تعظيم لشعائر الله!! قول باطل. فالقبور المرفوعة ليست من شعائر الله بل من شعائر الشرك ولذلك جاء الإسلام بهدهما وتسويتها بالأرض كما في صحيح مسلم من حديث أبي الهياج الأسدي أن علي بن أبي طالب قال له: [ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله. ألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته ولا تمثالاً إلا طمسته] وتعظيم الصالحين بتصوير صورهم ونصب أنصاب لهم هو أساس شرك العالم، فإن أول ما وقع من الشرك في قوم نوح كان سببه تصوير صور الصالحين ونصبها كما جاء في قوله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً} قال ابن عباس هم أسماء الرجال الصالحين من بين آدم ونوح صوروا لهم صوراً فمع تقدم العهد عبدت من دون الله.

وفي الصحيح أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رآتاها بأرض الحبشة فيها من الصور والتماثيل. فقال الرسول: [أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره وصوروا هذه الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة].

وفي الصحيح عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله لما نزل به جعل يطرح خميصةً له عن وجهه فإذا أغتم كشفها ويقول: [لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد] (يحذر ما صنعوا) فالمسلمون إذا فعلوا أعمال الشرك التي أشرك بها من قبلهم أصبحوا بذلك مشركين مثلهم.

والحاصل أن البناء على القبور وتعظيمها ليس من شعائر الله، بل هي من شعائر المشركين، وتعظيمها بالبناء والإسراج والرفع هو ذريعة إلى الشرك بالله. وأما الطواف بها والذبح لها والنذر لها والسجود إليها كل ذلك من الشرك بإجماع الأمة.

 

سادساً: الطواف بالقبور ليس من شعائر الله بل فيه جرائم متعددة؛ فهو يجمع بين الكفر والشرك والمحادة لأمر الله وأمر رسوله، وتشريع ما لم يأذن به الله، وتعظيم غيره بما لم يُشرع إلا لتعظيمه وهو الطواف.

فإن الله قد شرع الطواف ببيته فقط تعظيماً له سبحانه وتعالى، قال تعالى لإبراهيم وإسماعيل: {وطهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} وقال تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} وهو ركن من أركان الحج شرعت له الطهارة كما قال صلى الله عليه سلم: {الطواف صلاة غير أنه أُذٍنَ لكم أن تتكلموا فيه}.

ولم تشرع عبادة الطواف إلا حول بيت الله سبحانه وتعالى، فمن وضع مكاناً للطواف غير البيت فقد حاد الله ورسوله، وشرع ما لم يشرعه الله ورسوله، وقد كَفر المسلمون الحلاج لما صنع في بيته كعبة يطاف بها، فمن زعم أنه يطاف بمكان غير الكعبة طواف عبادة، وإن زعمها لله فهو مبتدع بدعة تكفره وتخرجه من الإسلام لأنه شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وحاد الله وحاد رسوله، وهذه أول الجرائم، وأما من جعل الطواف حول القبر تعظيماً له فقد أشرك بالله لأنه صرف عبادة لا تجوز إلا لله فجعلها لغيره.

والعجب أن سماحة المفتي قد عرف الشرك بقوله: "أما الشرك فهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى حتى لو كان ذلك بغرض التقرب إلى الله تعالى" وهذا تعريف صحيح لمعنى الشرك، فمن جعل الطواف الذي لا يجوز إلا الله جعله لغيره، فهو مشرك.

والجريمة الثالثة أن المقابر والمشاهد المنصوبة التي أمرنا الله تعالى بهدمها وتسويتها بالأرض، فالذي يطوف حول القبر يعظم مكاناً ونصباً أمرنا بهدمه وإزالته فهو معاندٌ محادٌ لله ورسوله. 

 

سابعاً: قول سماحة المفتي إن المسلم عندما يطوف بهذه القبور يعظم من أمر الله بتعظيمه: "التقرب إلى الله تعالى بكل ما شرعه سبحانه ويدخل في ذلك تعظيم كل ما عظمه الله تعالى من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال، فيسعى المسلم مثلاً للصلاة في المسجد الحرام والدعاء عن قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم والملتزم تعظيماً لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الأماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الأخير تعظيماً لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الأزمنة، ويتقرب إلى الله تعالى بحب الأنبياء والصالحين تعظيماً لمن عظمه الله من الأشخاص، ويتحرى الدعاء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيماً لما عظمه الله من الأحوال" وهكذا وكل هذا داخل في قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} قول أشتمل على باطل من وجوه كثيرة:

أ: أن البناء على القبور وتعظيمها والطواف بها والذبح لها والنذر لها والصلاة إليها كل ذلك ليس من شعائر الله بل هو من شعائر الشرك ولم يأمر الله ولا رسوله بشيء من ذلك بل جاء أمر الله وأمر رسوله بالنهي عن ذلك ولعن فاعله، فكيف يجعل هذا مع ما أمر الله به من تعظيم الأماكن الشريفة والأوقات الشريفة كالكعبة وليلة القدر والدعاء وقت نزول المطر وغير ذلك.

 

ب:  أن كثيراً من الذين يطوفون بهذه القبور ويعظمونها بالذبح عندها ودعاء أصحابها يعتقدون فيهم النفع والضر بل ويعطونهم كل صفات الله سبحانه وتعالى من الإحياء والإماتة والخلق والرزق وعلم الغيوب والتصرف في الكون عُلوه وسفله، ومغفرة الذنوب والشفاعة اللازمة على الله، وأن سماحة المفتي على علم بما في طبقات الصوفية ومما نسب إلى شيوخهم. ومن يسمونهم بالأولياء من يجعل اعتقاد النصارى في عيسى أقل كفراً من اعتقادهم، فإذا كان النصارى يعتقدون بأن عيسى ابن الله -تعالى الله عما يقولون- وأنه يأتي يوم القيامة يجلي على يمين أبيه -تعالى الله عن ذلك- ليدين الأحياء والأموات.

وفي الفكر الصوفي أن الحقيقة المحمدية -في زعمهم- أنه رسول الله هو التعينات وأول خلق الله ومن أنواره خلقت الملائكة والعرش والكرسي والسماوات والأراضين، وأنه في النهاية المستوي على عرش الله!!

وفي الفكر الصوفي أن السيدة زينب هي رئيسة الديوان الصوفي والذي يجمع الغوث والأقطاب والأوتاد وهو الديوان الذي يحكم العالم العلوي والسفلي.

ونقل مثل هذا الكفر وبيانه أمر يطول، وأظن سماحة المفتي مطلع كذلك على ما يعتقده غير أهل السنة والجماعة من الفرق الإسلامية الكثيرة التي تعتقد فيمن  يعظمونهم أنهم يتصرفون بالخلق والرزق والإحياء والإماتة ويتحكمون في كل ذرات الكون!!

فكيف يقول سماحة المفتي بعد ذلك أن المسلم إذا فعل مثل هذا الكفر يجب أن يظن فيه الخير، وأنه لا يفعل ما يناقض الإسلام.

 

ثامناً: قول سماحة المفتي: "أن هناك فرقاً أيضا بين كون الشيء سبباً واعتقاده خالقاً ومؤثراً بنفسه، تماماً كما مثلنا في الأصل الأول من اعتقاد المسلم أن المسيح عليه السلام سبب في الخلق بإذن الله في مقابلة اعتقاد النصراني أنه يفعل ذلك بنفسه، فإذا رأينا مسلما يسأل أو يستعين أو يرجو نفعاً أو ضراً من غير الله فإنه يجب علينا قطعاً أن نحمل ما يصدر منه على ابتغاء السببية لا على التأثير والخلق"  تفريق سماحة المفتي بين من يشرك بالله فيدعو غيره بأن يفعل ذلك معتقداً قدرته الذاتية على ذلك، ومن يعتقد أن الله قد وهبه ذلك وأعطاه تفريق لا وجه له فإن من يدعو غير الله من الموتى وهو يعتقد أن الله قد منحهم تفريج الكروب وقضاء الحاجات وإجابة السائلين كذاب مفتري على الله!! فإن الله لم يعط أحداً من الموتى ذلك. قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعون من دون الله منة لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداً وكانوا بعبادتهم كافرين}. فالله سبحانه وتعالى لم يأمرنا أن ندعو ميتاً في قبره أو أن تطلب منه ما يطلب من الأحياء، بل جعل هذا من الشرك الجلي، وهؤلاء الذين يدعون الموتى ويزعمون أن الله اختصهم بالعطاء والمنع وإجابة دعوة الداعي، وإغاثة المستغيث كاذبون على الله أولاً لأن الله لا يأمر عباده بالكفر والشرك، ودعاء غيره شرك فكيف يأمر الله عبداه بان يشركوا به {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}

 

تاسعاً: أعمال المسلم التي يجب حملها على حسن الظن به، هي ما يحتمل البر والإثم والمباح وغيره، كمن رأى رجلاً مع امرأة في خلوة أو طريق مظلم فيحتمل أن تكون امرأة أجنبية لا تحل له ويحتمل أن تكون زوجته أو من محارمه.. فيحمل المسلم على حسن الظن ما لم يعلم ويقطع بالاحتمال الآخر.

أما الأعمال التي لا تحتمل إلا معنى واحداً كقول كلمة الكفر أو سب الله وسب رسوله، أو السجود لغير الله ونحو ذلك فإنها لا تحتمل إلا معنى واحداً، وأما احتمال أن يكون فاعل ذلك معذوراً لجهل أو إكراه أو تأويل فباب آخر ولا يغير حكم العمل نفسه من أنه كفر أو شرك أو فسق، وإن كان كفر ليس كذلك.

وسماحة المفتي سوى بين من يعمل عملاً يحتمل الإباحة والحرمة، والإثم والبر بمن يعمل عملاً لا تفسير له إلا الإثم، وهذا هو الأصل الثالث الباطل الذي بنى عليه سماحة المفتي فتواه.

 

عاشراً: أليس بدلاً من إقرار الناس على هذا الكفر والشرك من الطواف بالقبور وعبادتها من دون الله والطلب من أصحابها ودعائهم والذبح لهم، وجعل مواسم لعبادتها وشد الرحال إليها وقول قائلهم: (قبر أبي معروف ترياق مجرب) وعبدالقادر الكيلاني يا متصرف في الأكوان، واعتقاد أن الله قد غفر لكل من زار قبر البدوي في مولده كل ذنوبه.. الخ من هذا الكفر والشرك. (اقرأ ترجمة البدوي في طبقات الشعراني)

أليس الأولى من ذلك من سماحة المفتي ومن غيره من أهل العلم والدين أن ينهوا الناس عن ذلك وخاصة أن سماحته يقول إن المفتي على أن الطواف بالقبور حرام وأن الفتيا على ذلك.

فإذا كان سماحة المفتي يعتقد أنه حرام وأنه يفتي بذلك فلماذا التبرير للناس والقول بأن المسلم لا يفعل إلا حقاً، ولا يظن به إلا خيراً حتى وإن عمل هذا الإثم والحرام.

والأجدر أن يقال لا يعجل بتكفير من فعل ذلك من المسلمين ولكن العمل كفر وشرك وبدعة وحرام ومخالف للحق، ولا نكفر المسلم إلا بإقامة الحجة عليه فإن أصر بعد ذلك كما عليه بما يستحق من الحكم الشرعي الذي حكم الله به، وإلا فترك الناس ليعتقدوا من الكفر أعظم مما كفرت به النصارى في عيسى ويعبدوا من دون الله ما لم ينزل الله يه سلطاناً، ويكفروا كفراً لم يكفره ويشركه العرب أنفسهم. والقول بأنهم ما يفعله المسلمون عن قبور الصالحين لا يخرج عن الحركة والكراهة. فهذا في النهاية إقرار للشرك والكفر والبدعة وتهوين من شأن ذلك كله.

 

وفق الله سماحة المفتي لقول الحق والعمل به والدعوة إليه.