45

(رد على ردود)

السجود لغير الله شرك

 

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

 

العناوين الرئيسية:

- السجود لغير الله في شريعتنا كفر وشرك بالقرآن والسنة وإجماع الأمة.

- الذي لا يتبدل في كل الشرائع هو الأمور العلمية الخبرية، وأما الأمور العملية فيجوز فيها النسخ والتبديل.

- القول عن الشرك والكفر أنه حرام دون بيان أنه كفر وشرك تدليس خطير.

- لو أمرنا الله بالسجود لنبيه لوجب علينا السجود وكان ذلك قربة إلى الله.

 

كتب أكثر من أخ وشيخ ردوداً على مقالنا (الطواف بالقبور جريمة مركبة) وهذا رد على ما جاء في هذه المقالات من الشبهات والاعتراضات.

 

أولاً: السجود أشرف أنواع العبادات

السجود أشرف أنواع العبادات وأعلاها درجة، وهي عبادة الملائكة والسموات والأرض وجميع المخلوقات. قال تعالى عن الملائكة: {والذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته وله يسجدون} وقال تعالى: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون، ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون، يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} وقال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء} وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} وقوله تعالى: {واعبدوا ربكم} بعد الأمور بالسجود والركوع هو من باب ذكر العام بعد الخاص.

وقد سميت الصلاة كلها سجوداً وركوعاً، فتقول سجدت سجدتين وركعت ركعتين، كما قال صلى الله عليه وسلم: [ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها].

والسجود عبادة اختص الله بها نفسه في شريعة الإسلام المنزلة على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تحل تعظيماً وتكريماً لأحد لا لرسوله ولا لغيره كما قال صلى الله عليه وسلم: [لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها].

 

ثانياً: السجود لغير الله شرك:

ومن أجل هذا أجمعت الأمة على أنه لا نسجد إلا لله، وأن من سجد لغيره فقد أشرك بالله لأن حقيقة الشرك هي صرف شيء مما لا تجوز إلا لله لغيره، فمن صرف شيئاً من العبادة صلاة أو صياماً أو نذراً أو طوافاً أو غير ذلك من شؤون العبادات والقربات لغير الله فقد كفر وأشرك شركاً أكبر ينقله عن ملة الإسلام.

بل ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن السجود لغير الله من الكفر الذي لا يعذر فاعله بالاضطرار كما جاء في تفسير القرطبي عن محمد بن الحسن الشيباني: (ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله، أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا يروى هذا عن الحسن البصري رضي الله عنه وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا وقال محمد بن الحسن إذا قيل للأسير اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك فقال إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته لله تعالى وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة وما أحراه بالسجود حينئذ ففي الصحيح [عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه قال وفيه نزلت {فأينما تولوا فثم وجه الله}].

وقال أبو عمر ابن عبدالبر في التمهيد: (الوثن: الصنم وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة، أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن، صنماً كان أو غير صنم، وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها، فخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته ان تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم: كانوا إذا مات لهم نبي، عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلى إليه، ويسجد نحوه ويعبد، فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله، الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم واتخذوها قبلة ومسجداً، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم). (التمهيد 5/45).

وقال عبدالرشيد الحنفي في ألفاظ الكفر: (إذا قال أهل الحرب لمسلم: اسجد للملك وإلا قتلناك فالأفضل أن لا يسجد لأن هذا كفر صورة، والأفضل أن لا يأتي بما هو كفر صورة وإن كان في حالة الإكراه، ومن سجد للسلطان بنية العبادة أو لم تحضره فقد كفر، ومن سجد لهم إن أراد به التعظيم كفر، وإن أراد التحية اختار بعض العلماء: أن لا يكفر، قال بعضهم يكفر مطلقاً) (ص/113)

 

ثالثاً: معنى سجود الملائكة لآدم وسجود أخوة يوسف له:

ولا يقدح في هذا الأمر، أمر الله سبحانه وتعالى الملائكة بالسجود لآدم، ولا سجود أخوة يوسف وأبويه له، ولا سجود معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم.

فأما سجود الملائكة لآدم فقد كان بأمر الله لهم قال تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس..} الآية، والله يأمر عباده بما شاء سبحانه وتعالى، وقد كان ذلك تشريفاً وتكريماً لهذا المخلوق الذي خلقه سبحانه بيديه، قال تعالى لإبليس: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}.

وقد قالت الملائكة قبل خلق آدم لما قال لهم الله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فأراهم الله سبجانه وتعالى من هذا المخلوق علماً لا يعلمونه، وعلى كل حال لقد كان تكريم آدم بسجود الملائكة له تكريماً بأمر الله سبحانه وتعالى ولا يمنع أن يأمر الله سبحانه وتعالى ملائكته بالسجود لآدم تكريماً له مع أنهم يعبدون الله بالسجود له سبحانه وتعالى كما قال عنهم: {والذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون} وتقديم المعمول على العامل هنا يفيد الحصر، أي أنهم لا يسجدون إلا له سبحانه، فإن سجود الملائكة لآدم فرد مخصوص وهو عبادة لله كذلك بامتثالهم أمر ربهم سبحانه وتعالى.

ومن هذا سجود إخوة يوسف وأبويه له، فإن هذا بأمر من الله سبحانه وتعالى فإن الرؤيا التي رآها يوسف وقصها على أبيه رؤيا حق، وقد علم يعقوب تأويلها يوم قصها يوسف عليه، وقال لابنه: {كذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم واسحاق إن ربك حكيم عليم}.

 

وقد كان يعقوب نبياً، واسحاق نبياً، وإبراهيم نبياً، وعلم يعقوب أن ابنه يوسف سيكون نبياً بعد أن رأى هذه الرؤيا.

وقد نبأه الله وحياً كذلك وهو في الجب {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} وسواء كان رؤيا يوسف جزء من النبوة والوحي إليه قبل البلوغ وكذلك وهو في الجب وحي نبوة أو كان من إرهاصات النبوة كما كان بشأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين أول ما بُدء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

والشاهد أن سجود يعقوب عليه السلام وأخوته له إنما كان بأمر إلهي تكريماً من الله لهذا الابن البار بوالديه، الكريم مع أخوته الذين أساءوا إليه فصفح عنهم ولم يثرب عليهم، قال تعالى عن يوسف {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً..} الآية.

ولا ينقض هذا ألا يكون السجود في شريعتنا إلا لله، فإن الله الذي أمر أخوة يوسف بالسجود له، لم يأمر الصحابة بالسجود للنبي علماً بأن فضل النبي على أصحابه وأمته أكبر من فضل يوسف على أبويه وأخوته. قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} وقال تعالى: {لقد  جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}.

وقد أمرنا الله بتعظيمه وتوقيره وتعزيره، وحبه فوق كل مخلوق، فقال سبحانه وتعالى: {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً}.

ومع ذلك لم يشرع لنا الله سبحانه وتعالى توقيراً للنبي وتعظيماً له أن نسجد له، بل جعل السجود عبادة خاصة به سبحانه وتعالى، ولذلك اتفقت الأمة على أن السجود لغير الله في شريعتنا كفر وشرك، وأنه لا يسجد لغير الله على وجه من الوجوه عبادة أو تكريماً وتعظيماً، فإننا نهينا عن ذلك، وجعل السجود خاصاً بالله جل وعلا. 

ولا يقدح كذلك في أن السجود لغير الله كفر وشرك، أن معاذاً لما سجد للرسول لم يكفره رسول الله، وذلك لأنه سجد مجتهداً متأولاً ظاناً أن رسول الله أحق بالتعظيم سجوداً من البطارقة الذين تسجد لهم النصارى، فبين له الرسول الحق وأنه لا يسجد إلا لله.

والمخطئ لا يكفر كما قال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون..} الآية، ولم يقل لهم قد كفرتم فجددوا إيمانكم، علماً أنه لا كفر أكبر من عبادة الأوثان!!

وكذلك قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال له مسلمة الفتح: [اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط] فقال رسول الله: [الله أكبر، إنها السنن قلتم والذين نفس محمد بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم] ولم يقل قد كفرتم..

والشاهد أن الجاهل والمخطئ إذا قال الكفر أو عمل به يعلم ويبين له، ولا يكفر من فعل كفراً إلا بعد إقامة الحجة والبيان.

وأما نفي أن تكون طلب عبادة الأوثان كفراً لأن موسى لم يقل لقومه (كفرتم) وأن السجود لغير الله كفر لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يقل لما سجد له (كفرت) وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لمن قال: [اجعل لنا ذات أنواط] كفرتم.

أقول نفي أن تكون عبادة الأوثان والسجود لغير الله والتبرك بشجرة تشبها بالكفار كفراً وحماقة وجهل من قائله..

 

رابعاً: السجود لغير الله شرك ويستلزم شركاً آخر:

وما نحن بصدده في المقال الفائت (الطواف بالقبور جريمة مركبة من الشرك والكفر والمحادة لأمر الله وأمر رسوله) في السجود للقبور ونحوها، فهذا ممالا يخالف فيه ذو بصيرة أنه من الكفر البواح والشرك الجلي،ومن عبادة غير الله سبحانه وتعالى فإن من يسجد للقبر يرتكب مجموعة من الجرائم: الأولى أنه سجد لغير الله سبحانه وتعالى، والسجود لغير الله في شريعتنا شرك لأنها صرف عبادة لغير الله، وثانياً لأنه تعظيم منا لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزالته وزواله وهي البناء على القبور، وثالثاً: انه يجمع مع السجود بالضرورة أنواعاً أخرى من الشرك كدعاء غير الله فإن من يسجد يدعو من سجد له، وقد قال الله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين}.

 

خامساً: الداعون إلى الشرك:

والعجب ممن يقف على هذا الشرك الصراح والكفر الجلي، أن يقوم بإلقاء الشبهات على الناس فيجعلون الطواف والسجود لهذه القبور ليس شركاً وأنه من باب سجود الملائكة لآدم وسجود أخوة يوسف له، وهم يعلمون أن كثيراً من المسلمين اليوم يعطون من العبادات لهذه القبور مثل ما يتقرب به إلى الله من الدعاء والذبح والنذر والطواف، والسجود والركوع وطلب الحاجات وتفريج الكربات.

 

سادساً: وصف الشرك بالحرام فقط تدليس وتلبيس:

ولا شك أن القول بأن هذا حرام دون بيان أنه شرك وكفر فيه تدليس وتلبيس على عموم الناس، فإن الحرام قد يكون صغيرة، وقد يكون كبيرة، وقد يكون شركاً وكفراً، فترك الصلاة مثلاً غير الزنا، وغير شرب الخمر، وغير من يكذب ليضحك الناس ويغتابهم، وينقل حديث الناس دون تثبت، وهذا غير سب الله وسب رسوله وسب دين الإسلام والسجود لغيره، ودعاء غيره والذبح لغيره..

والإسلام فرق بين المعاصي كباراً وصغاراً، وبين الكفر والشرك، فلا يجوز لعالم أن يقول في قول أو عمل من أعمال الكفر والشرك أنه حرام دون بيان حكمه، فإن الشرك لا يغفره الله لمن مات عليه، وأما ما دون الشرك فيغفره الله لمن شاء وإن مات غير تائب منه.

وعبارتنا التي اعترض عليها بعض الأخوة وكتب رداً على مقالنا السابق: (أما ما حكم الله بأنه شرك وكفر فليس وسيلة للتقرب إليه، بل سبب لسخطه وغضبه وعقابه، فمن جعل دعاء غيره دعاء عبادة أو سجد لغيره أو ذبح لغيره أو صرف شياً من العبادة التي اختص الله بها نفسه فهو مشرك.

والله سبحانه وتعالى لم يجعل الشرك وسيلة للتقرب إليه كما قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباًً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون}، وقال: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله... الآية} فالله سبحانه وتعالى لا يُتوسل إليه إلا بما يرضيه وارتضاه لعباده من الأقوال والأعمال والاعتقاد، والشرك به ليس وسيلة إليه، فمن عبد غير الله من الملائكة، أو الرسل، أو الأولياء فقد أشرك وتعرض لسخط الله وعقابه، وإن كان من كان كما قال تعالى: {ولقد أُوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}، وقال تعالى: {لا تجعل مع الله إلهاً آخراً فتقعد مذموماً مخذولاً}، وقال: {ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً} وقال عن أنبيائه ورسله المكرمين الذين عددهم في سورة الأنعام: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون}. فالشرك موجب لسخط الله وإن وقع ممن وقع منه، فإن كان مسلماً كفر، ولا يقال إن المسلم إذا فعل الشرك والكفر لا يحكم عليه بكفر ولا بشرك).

هو ما جاء به القرآن والسنة وأجمع عليه سلف الأمة، فإن السجود فرد من أفراد العبادة لله كالركوع والذبح والنذر والطواف والسعي، ولا يمتنع أن يجعل الله بعض هذه الأفراد مخصوصاً به في شريعتنا ومباحاً لغيره في شريعة أخرى.

وأما الذي لا يتبدل ولا يتغير في كل شريعة فهو أمور الاعتقاد كاعتقاد أن الله هو الإله الواحد الذي لا إله غيره ولا رب سواه الحي القيوم المتصف بصفات الكمال والجلال، فهذا من المسائل الخبرية العلمية التي لا يدخلها النسخ.

أما الأمور العملية فيدخلها النسخ، فالسجود من الأمور العملية، فيجوز أن يكون مقصوراً في شريعتنا على الله وحده، وأن يسمح به الله سبحانه في شريعة أخرى تكريماً لعبد من عباده كسجود الملائكة لآدم، وسجود أخوة يوسف له.

والله يشرع ما يشاء لعباده.

ومعلوم في الكتاب والسنة وإجماع الأمة أن الله لم يشرع السجود في شريعتنا لغيره، وبما أن السجود عبادة، وقد جعلها الله في شريعتنا له وحده، فيكون من سجد لغير الله قد اتخذ إلهاً غير الله.

ولذلك ذكر المفسرون للقرآن السجود لغير الله في باب الاضطرار إلى قول كلمة الكفر عند قوله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..} الآية، وفيها من التفصيل ما نقلناه آنفاً عن الإمام القرطبي.

والخلاصة أن السجود لغير الله في شريعتنا كفر وشرك، كفر لأنه رد للآيات والأحاديث التي تأمر بالسجود لله وحده، وشرك لأنه صرف عبادة لغير الله، والسجود للقبور بالخصوص شرك جلي لا يماري فيه إلا من طمس على بصيرته فنعوذ بالله من الخذلان.

 

سابعاً: الخوارج يكفرون بالكبيرة وليس بالكفر:

قال بعضهم في الرد: (إنما المسارعة إلى تكفير المسلمين فهذا من دأب الخوارج المارقين).

ولست أدري ما دخل الخوارج في هذا الأمر، فإن الخوارج منذ ظهروا في خلافة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وإلى يومنا هذا، لم يكن من شأنهم قتال من يقع في الكفر والشرك من المسلمين، وإنما كانوا يكفرون أهل الإسلام بالكبائر التي هي دون الشرك فقد كفروا علياً -في زعمهم- لأنه حكم الرجال ولم يحكم القرآن، ولأنه لم يبح لهم فيمن قاتلهم من المسلمين في موقعة الجمل سبي نسائهم ولا أخذ أموالهم... إلى أمور عظيمة من الجهل.

وأما قتال من كفر من المسلمين فقد فعله أصحاب النبي، فهذا أبو بكر قاتل مانعي الزكاة وسبى نساءهم، وأخذ أموالهم، وقد جرى علماء الإسلام على تحديد أنواع الكفر والشرك، ومتى يصبح المسلم مرتداً، ومتى يستتاب من كفره، وذكر العلماء أحكام الزنديق.

فالحكم بكفر الكافر حق، فيجب أن نشهد بما شهد به الله ورسوله، وكما لا يجوز إخراج مسلم من الإسلام، فإنه لا يحل كذلك الحكم بإسلام الكافر والزنديق، وليس هذا كله من فعل الخوارج، بل من عمل علماء الإسلام، وخلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى - وما نحن بصدده هنا من السجود لغير الله، والطواف بغير بيت الله فهو من الكفر الذي أجمعت عليه الأمة ولا دخل للخوارج في هذا الأمر قط.

 

ثامناً: السجود لغير الله كفر بمجرده:

السجود لغير الله كفر بمجرده، ولا يشترط أن يضاف له عمل القلب حتى يكون كفراً، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، والكفر كما يكون بالاعتقاد يكون بالعمل والقول والشك والترك، فمن الكفر بالعمل السجود لغير الله، والطواف بغير بيت الله، ومن الكفر بالقول سب الله أو رسوله أو دين الإسلام، ومن الكفر بالترك ترك أعمال الدين جميعها، وترك الصلاة على الخصوص.

وقد جاء في رد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على الفتوى رقم (4400) ما نصه: (كل من آمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر ما جاء به في الشريعة إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق يعتبر كافرا مرتدا عن الإسلام مشركا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده؛ لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله..).

وجاء في ردهم على الفتوى رقم (189): (السجود على المقابر والذبح عليها وثنية جاهلية، وشرك أكبر‏،‏ فإن كلا منهما عبادة‏،‏ والعبادة لا تكون إلا لله وحده فمن صرفها لغير الله فهو مشرك..)

 

تاسعاً: ماذا نصنع فيمن ينكرون المعلوم من الدين بالضرورة ومع ذلك يدعون العلم:

أعجب ممن يقول رداً على مقالي (الطواف بالقبور جريمة مركبة) ما نصه: (استغرب في هذه الأيام من أقوال ليست في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل بها عالم من المذاهب  الأربعة ولا غيرهم من المذاهب المعتبرة فيما اطلعت عليها).

والقضية التي نحن بصددها في مقال الرد على سماحة مفتي مصر والتي نقررها الآن من أن الطواف بغير بيت الله جريمة مركبة من الكفر والشرك والمحادة لأمر الله وأمر رسوله، وكذلك السجود لغير الله كفر وشرك، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، وقد دل عليه القرآن والسنة وإجماع سلف الأمة، ولم يخل كتاب تفسير ولا فقه إلا وقرره، فيأتي من يقول لقد قرأت هذا كله ولم أجده.. فإذا كنت تجهل المعلوم من الدين بالضرورة، وتجهل أن القرآن قد أمر المؤمنين بالسجود لله وحده، وتجهل أن الرسول أمر المسلمين ألا يسجدوا إلا لله، وتجهل أن جميع علماء المسلمين قد قرروا أن السجود لغير الله شرك، وتقول إنك لم تطلع على شيء من ذلك. فهل يحل لمثلك أن يمسك قلماً ويكتب به في الإسلام. و..

 

عاشراً: ماذا يقصد هؤلاء؟

أعجب من هؤلاء الذين يروجون لهذا الشرك اليوم (الطواف بالقبور والسجود لها) فمن سلفهم في هذا الأمر؟ وما هي مقاصدهم من الدعوة إلى هذا الشرك والكفر؟! وهم يعلمون أن القرآن والسنة وكل سلف الأمة لم يأت بالدعوة إلى هذا الشرك وترويجه في الأمة، بل مما نهى الله ورسوله عنه، وحذر منه وزجر عنه كل من يؤخذ عنهم العلم من علماء الإسلام فلماذا إذن هذه الدعوة المحمومة إلى الشرك والكفر؟!!!