مناشدة لخادم الحرمين الشريفين وهيئة كبار العلماء بالسعودية

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق آل يوسف

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه الى يوم الدين.

وبعد:

فقد هالني الفتوى التي نقلت عن سماحة الشيخ صالح اللحيدان حفظه الله، وبعض هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية من انه لا يجوز السعي في التوسعة الجديدة للمسعى بين الصفا والمروة، وان من اعتمر الان فعليه ان يترك السعي وان يجبره بدم.

ولقد كنت ممن فرحوا واستبشروا بالقرار الحكيم، الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله بتوسعة المسعى، لما في هذه التوسعة من الرحمة والاحسان بالمسلمين، وموافقة الشرع الحكيم، والسعي القديم بين الصفا والمروة، فان السعي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والى توسعة المسجد الحرام في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله، قد كان مفتوحا بين الصفا والمروة، لا تحده حواجز تحجز الناس في ممر محدود مجيئة وذهابا، في نحو بضعة عشر مترا عرضا، ولقد كان بناء المسعى وحده بالجدران في وقته من المصالح الشرعية، ليستظل الناس، ويسعوا في طريق نظيف قد ابعدت عنه المارة والبائعون وغيرهم، فقد حججنا قبل هذا البناء في مسعى ترابي تكتنفه الباعة يمينا ويسارا، ويتخلل الساعين السابلة والباعة والمشترون، ثم كان البناء على المسعى وتحديده على ذلك النحو احدى المصالح الشرعية، علما انه قد حد الساعين في ممر محدود لا يتجاوزونه يمينا ولا يسارا، ولم يقل احد قط بل ولم يتصور ان يكون هذا المسعى المحدود، هو الطريق الشرعي التعبدي وحده، الذي لا يجوز الخروج عنه يمينا ولا يسارا.

ثم لما احتاج المسلمون اليوم بعد هذه الزيادات المضطردة في عدد الحجاج، والمعتمرين، وصدر الامر الحكيم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله حفظه الله بهذه التوسعة، كان هذا الرأي في غاية الصواب والرحمة بالعباد، وآداء النسك قريبا مما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل المسلمين طيلة القرون السابقة، فان النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب للناس حدا معينا لا يتجاوزونه في سعيهم بين الصفا والمروة يمنة ويسرة، وانما صح عنه صلى الله عليه وسلم انه اتى الصفا فرقى عليها وقال (نبدأ بما بدأ الله به) وتوجه الى الكعبة داعيا رافعا يديه، ثم نزل من الصفا متجها الى المروة، فلما انصب قدماه في بطن الوادي رمل، حتى اذا اتى المروة رقى عليها، وتوجه الى الكعبة ودعا، ثم نزل متجها الى الصفا، فعل ذلك سبعة اشواط، وكان المسلمون حوله عشرات الالوف يأتمون به، ويعملون بعمله، ولا يتصور ان عشرات الالوف الذين كانوا مع النبي ساروا في سعيهم في طريق مخصوص، ولا يتعدونه يمنة ويسرة، وانما الذي يتصور ان عرض هذه الجموع ربما كانت تزيد عن نحو مائة متر او اكثر بمقاييسنا، ثم ان هذا الذي درج عليه المسلمون في كل عصورهم، ولم يقل احد منهم قط انه يجب لمن يسعى بين الصفا والمروة ان يسير في طريق محدد لا يتعداه، بل الواجب ان تلامس قدم الساعي جبل الصفا، وان تلامس المروة، واما في اثناء السعي فلو توسع الناس وهم سائرون عرضا فان هذا لا يبطل سعيهم.

فكيف يكون توسعة المسعى، الذي بني اصلا على خلاف ما كان معهودا منذ زمن النبي الى يوم البناء على المسعى هو المتعين شرعا، وان من سعى في توسعة هذا المسعى كان سعيه باطلا.

ومن اجل ذلك، اناشد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله ان يمضي قراره بهذه التوسعة فان هذا اقرب للسنة، واكثر رحمة بالامة، واسأل الله ان يبارك عمله الجليل في تيسير سبل الحج والعمرة للمسلمين، وان يبقى له هذا ذخرا الى آخر الدنيا.

واناشد اساتذتي اصحاب الفضيلة المشايخ من هيئة كبار العلماء وغيرهم، ممن افتوا بان هذه التوسعة خلاف السنة، ان يراجعوا فتواهم فانها حتما بخلاف الحق والصواب، فان الله سبحانه وتعالى عندما شرع لعباده السعي بين الصفا والمروة، قال تعالى: (ان الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم)، ولاشك ان كل من اتى الى الصفا، ولامست قدماه شيئا منها ثم انحط منها الى المروة، ولامست قدماه شيئا منها، وفعل ذلك سبعا يكون قد اتى بما امر الله تبارك وتعالى به، واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولم ينقل قط ان هناك من حد للناس حدا لا يتعدونه في طوافهم بين الصفا والمروة.

كما وارجوهم ان نظروا بعين الرحمة والشفقة على المسلمين حجاجا ومعتمرين، وكيف انهم كانوا يحشرون في البناء القديم دون ان يكون هناك امر من الله او من رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الحشر، وانما كان البناء القديم شيئا من المصالح المرسلة، وكان رفقا بالناس في وقته، واما اليوم فلم يعد البناء حول المسعى رفقا بعد ان زادت اعداد الحجيج والمعتمرين هذه الزيادة، فكيف تجعل المصلحة المرسلة واجبا محتما مستمرا، وقد علم بيقين انه قد زالت هذه المصلحة، واصبح وجودها مفسدة عظيمة محققة، فازالة الحاجز اصبح اليوم هو المصلحة التي يجب المصير اليها، ولا يجوز خلافها.

ومن رحمة الله بالامة ان هيأ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله حفظه الله لاتخاذ هذا القرار الحكيم في هذا الوقت، فنسأل الله ان يجزيه خيرا عن الاسلام والمسلمين، ونسأل الله لعلمائنا ومشايخنا الاماجد ان يوفقهم الله الى كل خير وبر.

والحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر: 28/3/2008