متى يكفر الحج كل الذنوب والمعاصي؟

متى يكفر الحج كل الذنوب والمعاصي؟

بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق

سألني سائل بعد صلاة الجمعة أنه وبينما كان في حج هذه السنة، وقد تحلل الحل الأول -بعد رمي جمرة العقبة- دخل محلاً فاشترى منه غرضاً، ولكنه نوى في قلبه ألا يدفع الثمن للبائع؟! ثم خرج ولم يعط البائع ثمن السلعة!! ولكنه ندم بعد ذلك عندما سمع محدثاً يحدث بحديث الرسول صلى الله عليه وسلـم: [من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه]، فتأثـم وخشي على حجته وذهب لينقـد البائع ثمن سلعته، ولكنه لم يهتد إلى المحل الذي كان قد اشترى منه وسألني ماذا أصنع الآن؟

وقد أثار هذا السؤال حزني وألمي. ورأيت أن هناك أربع قضايا كبيرة قد يغفل عنها كثير من المسلمين أحببت بيانها في هذا المقال: وهي على وجه الإجمـال: الحج لا يكفر الذنوب التي لم يتب منها صاحبها، فعل المعصية وقت الطاعة يبطل الطاعة، الذنوب التي باعثها حقارة النفس من أكبر الكبائر، الذنب يتضاعف في الحرم كما أن ثواب الطاعة يتضاعف أضعافاً كثيرة.

الحج لا يكفر الذنوب التي لم يتب منها صاحبها:

يجب العلم أن الحج لا يكفر الذنوب التي لم يتب منها صاحبها فالمقيم على ذنب ما لم يتب منه، وهو مستمر فيـه، فإن الحج لا يكفر ذنبه، وإنما الحج كفارة وأجر للعبد التائب إلى الله الراجع إليه، الراجي رحمته وعفوه، والذي أقلع عن ذنوبه الكبار إقلاعاً لا رجعة بعده.

والدليل على ذلك ما رواه الإمام مسلم رحمه الله بإسناده إلى عبدالله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال أناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟! قال صلى الله عليه وسلم: [أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام].

وفي رواية أخرى: [قلنا يا رسول الله: أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر].

هذا مع بيان النبي صلى الله عليه وسلم أن الإسلام يهدم ما قبله كما في حديث مسلم أيضاً أن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال: [.. فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك فبسط صلى الله عليه وسـلم يمينه. قال: فقبضت يدي. قال صلى الله عليه وسلم: [ما بالك يا عمر] قال قلت: أردت أن اشترط. قال صلى الله عليه وسلم: [تشترط بماذا؟] قلت: أن يُغْفر لي. قال صلى الله عليه وسلم: [أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله]. انتهى

فمع أن الإسلام يهدم ما كان قبله إلا أن من أساء في الإسلام جوزي بعمله السيء في الإسلام، وما كان قبل الإسـلام. فمن كان يشرب الخمر مثلاً ويزني في جاهليته، وحال كفره، فإنه إن دخل في الإسلام حط الله عنه وغفر له ما كان قد سلف منه من هذه المعاصي، ولكنه إن عاد إلى الزنا وشرب الخمر في الإسـلام جوزي بعمله الأول والآخر، وكذلك الحال فيمن له معاصٍ لم يتب منها قبل الحج فإن الحج يهدم ما كان من هذه المعاصي إلا أن يكون هذا الحاج مقيماً على معاصيه مستمراً فيها فإن الحـج لا يهدم ما كان قبله في هذه الحالة، وهذا يعني أن الحج لا يفيد إلا التائب من الذنب، والعائد إلى الله، الراجع إليه المقلع عن ذنوبه، وأما المقيم على معاصيه وذنوبه المستمر فيها فإن الحج لا يهدم ما كان قبله في هذه الحالة.

هل يكفر الحج الكبائر دون توبة منها؟!

ثم إن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، والصغائر قد جاء أن الله سبحانه وتعالى يغفرها إذا اجتنبت الكبائـر كما قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما ينهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً}..

فمجرد ترك الكبائر خوفاً من الله وطاعة مكفر لصغائر الذنوب، وكذلك يكفر الله السيئات والصغائـر بموالاة العبد على الطاعة، كما في الحديث الصحيح: [الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر].

وفي رواية أخرى: [الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر] (رواه مسلم عن أبي هريرة)

وفي هذا دليـل على أن ما بين الطاعة ومثلها يكفر الله عنه ما بينهما من الذنوب الصغائر إذا ترك العبد الكبائر.

وفي الحديث الصحيح أيضاً: [العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما من الذنوب والخطايا، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة] (رواه أحمد وانظر الصحيحة لشيخنا الألباني 1200)

وفي هذا دليل على أن الموالاة بين طاعتين يكفر الله ما بينهما من الذنوب الصغائر. لكن هل يكفر الحج إثم الذنوب الكبائر لمن لم يترك هذه الكبائر ولم يحصل منه توبة عنها؟

لا شك أن ظاهر الحديث: [الحج المبرور ليس له جـزاء إلا الجنة] وقوله صلى الله عليه وسلم: [من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدتـه أمه] يدل على أن الحج يكفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، ولكنه يستفاد من الآيات والأحاديث الأخرى أن ذلك إذا كان الحاج تائباً عن الكبائر كلها مقلع عنها عازماً على عدم العودة إليها، وأما إن كان من أهل السرقة وهو مستمر في سرقته، أو من أهل الزنا وهو مستمر في زناه، أو ممن يشرب الخمر وهو مستمر في شربها، فإن الحج لا يكفر خطيئة من لم يتب منها فاعلها ولم يقلع عنها.

ومن ظن أن الحج يكفر الكبائر المقيم عليها صاحبها فقد أخطأ خطئاً بليغاً، وفهم الحديث على غير معناه.

ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى في نهاية آيات الحج من سورة البقرة: {واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون}. ( البقرة: 203)

فقوله سبحانه وتعالى: {لمن اتقى} يدل على أن المتقي لله الخائف منه هو الذي تغفر له ذنوبه بعد تمام الحج متعجلاً في يومين أو متأخراً لليوم الثالث، فقوله تعالى: {لمن اتقى} راجع للمتعجل والمتأخر.

ومعلوم أن المقيم على الذنب ليس من اتقى الله وخافه.

وأما هل يكفر الحج الكبائر التي لم يتب عنها صاحبها، وإن كان قد تركها، فالصحيح -إن شاء الله- أنها إن كانت مما يتعلق بحقوق العباد فإن الحج لا يغفرها كما جاء في الحديث أن [الشهادة في سبيل الله تكفر الذنـوب كلها إلا الدّين]، وذلك أنه من حقوق العباد، وهكذا الأمر هنا، فإن الحج لا يكفر حقوق العباد، فمن كان عليه دين لم يؤده، أو في ذمته عهد أو مال أو أمانة لغيره فإن الحـج شأنه شأن كل الطاعات التي يكفر الله بها السيئات، لا يكفر الله بها حقوق الآدميين، لأن حقـوق العباد لا بد من ردها، أو تنازل أهل الحقوق عنها في الدنيا أو في الآخرة، أو المقاضاة فيها يوم القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم: [أيها الناس من كان له عند أخيه مظلمة من عرض أو مال فليتحلل منه الآن قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات، فإن كان له حسنات أخذ منه بقدر مظلمته، وإلا أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار].

فلا يجوز الظن أن تكفير الحج للذنوب مسقط لحقوق الآدميين والله تعالى أعلم.

وأما ما يتعلق بحق الله تعالى فهل يسقط إثم الكبائر دون توبة منها إذا قام العبد بهذه الأعمال العظيمة التي جاء أنه تكفر كل الذنوب كالحج والشهادة، وصلاة ركعتين لا يحدث المصلي فيهما نفسه كما في الحديث الصحيح: [من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر الله ما تقدم من ذنبه] (متفق عليه)

وكذلك صيام رمضان، وأنه عتق من النار، وكذلك التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات وأنه من [سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمده ثلاثاً وثلاثين وكبره ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر].

فلا شك أن ظاهر هذه الأحاديث يدل على أن هذه الأعمال الشريفة العظيمة يسقط كل الذنوب صغيرها وكبيرها.

لكن عند النظر والتأمل والجمع بين النصوص المختلفة يتبين أن هذه المغفرة للذنوب لا تكون إلا للتائب من الكبائر.

ومن أجل ذلك يوصي الحاج عند عزمه على الحج، أن يخرج عما في يديه من حقوق الآدميين ليكون حجه مبروراً، وأن يتوب إلى الله من جميع ذنوبه ليكون وذنبه مغفوراً.

ومما يدل أن الحج لا يسقط ذنوب الكبائر إلا للتائب منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: [الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة]، ولا يكون الحج مبروراً إلا إذا كان صاحبه تائباً إلى الله من معاصيه راجعاً إليه، أما إن كان مصراً على المعاصي، مقيماً عليها ناوياً أن يعود إليها بعد حجه فهذا لا يكون حجه مبروراً.

هل يكون المسلم مطيعاً عاصياً في وقت واحد؟

والمسألة الثانية مما يتعلق به سؤال السائل هو فيمن يكون وقت الطاعة عاصياً هل يكون في هذه الحالة طائعاً لله، وهذه مسألة قديمة من مسائل أصول الفقه ضرب لها العلماء مثلاً بمن يصلي الصلاة في الأرض المغصوبة، هل تكون صلاته مقبولة؟ فالإمام أحمد رحمه الله يرى أن المصلي في الأرض المغصوبة لا تقبل صلاته لأنه وقت الصلاة يكون فاعلاً للغصب، عاصٍ لله ببقائه في الأرض التي اغتصبها، فكيف تكون صلاته صحيحة؟ ومثله من يصلي وهو لابس ثوباً من حرير، ومن يسرق أثناء صلاته، ومن يغازل امرأة وهو يصلي؟ أو من يلاحق امرأة في الطواف ومثله حج العبد الآبق، وحج الفار من الزحف، وهل يقاس على ذلك من يسرق في أثناء إحرامه بالحج؟! لا شك أن من أحرم بالحج فقد دخل في عباده، وشرع في نسك فهل إذا ارتكب جريمة السرقة يكون مطيعاً لله من وجه عاصياً من وجه أم أن طاعته هي نفس معصيته؟!

كمن خرج للسرقة في الحج؟! فلا شك أن من خرج حاجاً ينوي سرقة الحجاج فإنه لا يكون إلا سارقاً عاصياً، ولا يتصور أن يكون مطيعاً لله لأنه في كل خطوة يخطوها في الحج لا ينفك عن نية السـرقة والمعصية، وهل يكون من نوى الحج خالصاً لله ثم هيئت له السرقة وهو محرم فسرق يكون مطيعاً لله حاجاً؟ أم أن ارتكابه للسرقة في وقت أداء المناسك يكون مبطلاً للحج.

لا شك أن مثل هذا -والله أعلم- لا يكون حجه مبروراً لحصول أعظم الفسق فيه وهو السرقة، ووقوع الكبيرة منه، لكن هل يفسد ذلك حجه؟ ويلزمه إعادة الحج إن كان مفترضاً (يؤدي الفريضة).

أقول: هذا محل نظر، وانتظار لفتوى أهل العلم ولكن يجب الجزم أن مثل هذا لا يكون حجه مبروراً، وأنه لم يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه؟ وكيف يكون كذلك وقد سرق، وهو ما زال في مناسك الحج؟! ولم يتم له التحلل الكامل من الحج بل تحلل الحل الأول فقط؟!

ذنوب باعثها حقارة النفس وسقوط المروءة.

وأما الأمـر الثالث فإن الذنوب التي باعثها حقارة النفس ،وسقوط المروءة، فإنها من أعظم الكبائر، وإن كانت في ظاهرها من الصغائر، ومثل هذه الذنوب يمقت الله فاعلها. قال صلى الله عليه وسلم: [ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه لم يف]. (متفق عليه عن أبي هريرة)

وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: [ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم : شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر]. (رواه مسلم عن أبي هريرة)

وقـال أيضاً: [ثلاثة لا ينظـر الله إليهم غداً: شيخ زان، ورجل اتخذ الأيمان بضاعة يحلف في كل حق وباطل، وفقير مختال يزهو]. (رواه الطبراني عن عصمة بن مالك)

 

وقال أيضاً صلى الله عليه وسلـم: [ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان الذي لا يعطي شيئاً إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب]. (رواه الإمام أحمد ومسلم)

وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: [من اقتطع حق امرئ بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟! قال: وإن كان عوداً من أراك]!!

وبالنظر إلى الأحاديث السابقة نرى عقوبة عظيمة من الله تعالى على ذنوب هي في ظاهرها من الصغـائر ولكنها في حقيقتها من أعظم الكبائر، والعقوبة على هذه الذنوب هي من أعظم ما يعاقب الله بها العصاة، وهي كون الله سبحانه وتعالى لا يكلمهم يوم القيامة، ولا ينظر إليهم -أي نظر رحمة- ولا يزكيهم في الدنيا، وأن لهم عذاباً أليماً في الآخرة!! وهذا من أعظم ما يعاقب الله به عبداً من عباده العاصين، وإذا نظرت في ذنوب هؤلاء المذكورين ترى أن الجامع بينها جميعاً هي حقارة النفس وسقوط المروءة، أو فعل العصية ممن لا حاجة عنده إليها، ولا ضرورة تلجئه لها، ولنستعرض بعضهم:

المنفق سلعته بالحلف الكاذب:

فالتاجر الذي يحلف بالله كاذباً، والحلف بالله شيء عظيم أنه اشترى هذه السلعة بكذا وكذا، وهو على غير ذلك إنما استغل اسم الله وصغ به كاذباً ليكسب كسباً حقيراً من كسب الدنيا، وفي هذا امتهان لاسم الله واستغلال له واستهانة بالكذب، ومثله الذي يبايع سلطاناً، والبيعة شيء عظيم لأنها عهد على الإيمان، والنصرة، والقيام بالحق وتطبيق الكتاب والسنة ونصر الإسلام والطاعة للإمام في القيام فيما أوجب الله من أمور الدين، وفي هذا أجر عظيم للإمام والمأموم فإذا كان المبايع لا يريد من بيعته إلا الدنيا، ولا يحرص إلا عليها فإنما يدل ذلك على حقارة نفسه، وسقوط همته وجعله ما وضع للدين وشرع لنصر الإسلام والمسلمين سبيلاً إلى الدنيا، وغاية لكسب الحطام. هذا مع الكذب في العهد، وإضمار السوء.

حقارة النفس تجمع بين شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر:

وأما الشيخ الزاني، والملك الكذاب والعائل المستكبر فإن الجامع بين هؤلاء الثلاثة هو أن كلاً منهم ليس بحاجة إلى ما يفعله من المعصية بل هو في الأصل مستغن عنها، فما حاجة الشيخ -وهو الكبير الهرم- إلى الزنا، وقد لا يتحصل له ذلك إلا بمنشطات ومثيرات، وكلفة على البدن، وتكلف.... فلماذا وقد كُفِي شر هيجان الباءة، وأغتلام الشهوة، وشدة الحاجة!! لماذا تكلف المعصية، وسقوط المروءة [شيخ ويزني]!!

وأما الملك فإنه لملكه وسلطانه مستغن عن الكذب، فإن الكذب قد يلجأ إليه الفقير المحتاج أو الضعيف الذليل، وأما من كان بيده الأمر والنهي، وتحت يده الأموال والأرزاق، ولا يخشى من غيره فما حاجـة مثل هذا إلى الكذب، فإن كذب الملك دل على سقوط مروءته وحقارة نفسه، ومثل هذا يقابل بسخط الله، وعقوبته.

وأما العائـل -وهو ذو العيال- المحتاج فما حاجته إلى الكبر، وليس عنده من مؤهلاته التي يتذرع بها أهل الكبر شيء!!

فإن الدافع إلى الكبر عند أهل الكبر هو المال والاستغناء عن الناس أو الجاه والحسب، وأما من كان فقيراً لا مال له، وهو محتاج إلى غيره فتكبره أمر غليظ... فالكبر كله شر، ولكنه أشر من عائل محتاج يتكبر ويزهو!!

والكبر هنا عند هذا الفقير المحتاج من حقارة النفس وسقوط المروءة وإتيان المعصية بالتكلف الزائد.

فهؤلاء الثلاثـة: الشيخ الذي لا داعية عنده تدعوه إلى الزنا، والملك الذي لا داعي عنده يدعوه إلى الكذب، والعائل الفقـير الذي لا داعي عنده يدعوه إلى الكبر. تصبح المعصية من كل واحد من هؤلاء الثلاثة معصية مضاعفة، ويصبح الحامل لهؤلاء على هذه المعاصي هو حقارة النفس، والاستخفاف بالمعصية، والتكلف في فعلها دون داع يدعو إليها.

دناءة النفس في المنان، ومن يبخل بما لا حاجة له إليه:

وأما من كان على فضل ماء في الفلاة يمنعه من ابن السبيل فإنه دليل على انعدام الرحمة والمـروءة، فإن بذل هذا للماء لا يضره، لأنه عنده فضل ماء، ومنع الماء عن ابن سبيلٍ محتاجٍ قد يكون فيه ضرره بل موته وهلاكه.

ولا يقدم على هذا إلا ساقط المروءة، عديم الإحساس، بعيد من الرحمة، ومثل هذا جدير بسخط الله وعقابه.

وأما المنان الذي لا يعطي شيئاً إلا مَنَّهُ فإنه حقير النفس ساقط الهمة، خبيث الطوية، فإن من أعطـاك ليستذلك ويتفضل عليك، ويمن عليك في الصغير والكبير، يؤذيك ويضرك، ومن أجل هذا جعل الله المن محبطاً لثواب الصدقة. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين} (البقرة: 264)

ولست أرى ما يحمل حاجاً دفع مئات الدنانير ليحج، وأنفق عشرات الساعات من جهده ووقته ثم هو بعد ذلك يختلس أربعين ريالاً وهو في الحج!! وهو وما زال يؤدي العبادة لست أرى لهذا معنى إلا أن يكون من ضياع معاني العبادة من القلب، ومن حقارة النفس، فهل هذا جدير بأن يغفر الله ذنبه ويعود كيوم ولدته أمه؟! ولكن صاحب السؤال -عفا الله عنه- تذكر بعد نسيان، وصحا ضميره بعـد سبات واستبصر بعد عمى، ونشط ليرد المال الذي سرقه إلى صاحبه!! ولعل هذا أن يكون طريقاً إلى التوبة النصوح.

ولكني أحببت أن أبين له، ولكل من عقل أن بعض الذنوب لا ينظر فيها إلى حجم الذنب فليست العبرة في السرقة، وهي جريمة بكل حال أن تكون كبيرة إذا كان المسروق كبيراً، وأن تكون صغيرة إ ذا كان المسروق شيئاً قليلاً... لا ليس الأمر كذلك فإن السرقة تعظم بأمور منها أن تكون وقت الطـاعة كما هنا فالسرقة في الحج غير السرقة في غير وقت عبادة، وكونها في البلد الحرام، وكونها شيئاً تافهاً حقيراً لا حاجة عند السارق إليه، فقد يكون هذا الحاج غير محتاج إلى أربعين ريالاً.. ألا ترى أن عبداً للنبي صلى الله عليه وسلم غل بردة من الغنائم لا تساوي أربعة دراهم فلما قتل هذا العبد قال الصحابة: هنيئاً له يا رسول الله الجنة، مات شهيداً؟! فقال صلى الله عليه وسلم: [لا والذي نفسي بيده إن البردة التي غلها من الغنائم لتشتعل عليه ناراً الآن]!!

وكانت بردة لا تساوي أربعة دراهم، فهذا العبد أفسد جهاده مع النبي صلى الله عليه وسلم، وضاعت ثمرة شهادته لأنه سرق شيئاً حقيراً لا يساوي أربعة دراهم، وما ذلك إلا لأن هذا الذنب دليل على حقارة النفس، ولم ينظر في هذا الذنب إلى عظم المبلغ الذي غله هذا العبد من الغنيمة !!

وكذلك الشأن في ذنوب كثيرة كان باعثها حقارة النفس كالتي دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت جـوعاً لا هي أطعمتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فقد كانت عقوبة هذه المرأة كبيرة مع أنها لم تقتل إلا هرة، وما ذاك إلا لقسوة قلب هذه المرأة، وانعدام الرحمة، وظلم حيوان صغير أعجم لا يستطيع الدفاع عن نفسه، ولا البوح بشكواه.

ألا فليحذر العبد ما كان هذا شأنه من الذنوب والمعاصي.

والخلاصة: أنني أرى أن هذا الذنب الذي فعله السائل قد اجتمعت فيه أمور تجعله ذنباً كبيراً عظيماً وهو كونه سرق في وقت أداء المناسك، وسرق مبلغاً حقيراً هو في غنى عنه، وسرق في البلد الحرام، والمعاصي تتضاعف فيه كما تتضاعف الحسنات.

ولكن لأن هذا السائل قد استيقظ قلبه، وندم على فعلته، فأرجو أن يكون هذا باباً قد فتحه للتوبة والرجوع إلى الله.

وأما الحج المبرور الذي ليس له جزاء إلا الجنة، فإن من شرطه أن يخرج المسلم من كل ذنوبه ومعاصيه، ويتوب إلى الله توبة نصوحاً، فإن الحج لا يكفر الكبائر الذي لم يتب منها صاحبها، توبة خاصة بها، وكذلك المعاصي التي يصر عليها صاحبها، وما زال مقيماً عليها، وإنما الحاج الذي يعود يوم يعود من حجه كيوم ولدته أمه هو الذي يكون قد تاب من كل الذنوب والمعاصي توبة نصوحاً، وأتى الله بقلب سليم وكان من أهل التقوى، وأدى المناسك على الوجه المشروع، وتخلق بما أمر الله عباده به من كمال الخلق: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}

فمن جمـع هذه الشروط كان المرجو أن يكون حجه مبروراً، وذنبه مغفوراً. وأما من لم يجمعها أو فرط في شيء منها لم يكن كذلك.

والحمد لله رب العالمين،،