بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة إلى الشيخ ياسر برهامي والأمة المصرية

شيخ ياسر: لماذا اكتب إليك اليوم؟

فضيلة الشيخ ياسر وفقه الله للخير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

مرة ثانية أجدني مضطراً أن أكتب إليك كتاباً تقرؤه ويقرؤه العالم، مناشداً إياك بالله أن تعود للحق وتنزِع عن الباطل، وقد رأيت بأم عينيك ما أدى إليه الطريق المظلم والذي سميتموه بخارطة طريق، ولقد كنتَ وما زلتَ للأسف متولياً كبره، وقد رأيت أن هذا الطريق قد أفضى إلى شق الأمة المصرية وتسلط بعضها على بعض وإعمال القتل والتشريد والتعذيب، ومصادرة الأموال والحريات وانتهاك الحرمات وامتلاء السجون والمعتقلات من كل أطياف الشعب المصري ممن رفض أن تلغى إرادته في اختيار رئيسه، ونظم دستوره، وإرساء مؤسساته الديمقراطية.

رأيت كيف أصبحت الأمة المصرية التي اجتمعت بالأمس على نظام حر وديمقراطي يكون الاختيار الحر أساساً لانتخاب رئيسها، ومجالس تشريعها، وان يحتكم الجميع إلى صندوق الانتخابات.

رأيت كيف تحولت الأمة المصرية إلى أسلوب التغلب بالسلطان الجائر وفرض إرادة طائفة على طائفة أخرى، تحول فيها جيش مصر من مجابهة أعداء مصر ليكون عدواً لشعبها، أصبح وللأسف مكانه شوارع مصر وجامعاتها وساحاتها، بدلاً من ساحات مواجهة أعدائها، وتحولت شرطة مصر بدلاً من ملاحقة الفساد والمفسدين من اللصوص والمجرمين وقاطعي الطريق إلى ملاحقة الدعاة إلى الله وحفاظ القرآن ولجان العمل الخيري، وطلاب الأزهر وأساتذة الجامعات وشباب مصر ونسائها وشعبها الطيب المنادي بالحرية والكرامة.

أقول لقد رأيت ما دفعتم إليه الأمة المصرية من الشر والفساد وضياع الدين والدنيا.

- وللأسف- أن هذا كله لم يكن ليوقظ عندك روح المسلم المؤمن الغيور على دينه الرفيق بأمته بل ما أراه ويراه الجميع منكم تمادياً في الباطل رغم ظهوره لكل ذي عينين.

حذرناكم من هذا الشر قبل وقوعه:

شيخ ياسر: قلنا لكم منذ شرعتم في هذا الطريق أنه لن يفضي إلا إلى فرقة الشعب المصري ودماره وهلاك دينه ودنياه، وللأسف أنكم كابرتم، وافتخرتم بأنكم وضعتم مع شركائكم خارطة طريق لإنقاذ الأمة؟! (من الإخوان الظلمة)، وقلنا لكم أن الطريق الصحيح عند الاختلاف هو الاحتكام إلى الأمة عبر استفتائها وعبر صناديق الانتخاب، ولكنكم أبيتم إلا تحريض بعض المصريين على بعض، وتحويل الجيش المصري من جيش لحماية البلاد إلى جيش احتلال للأمة المصرية يصادر قرارها، ويستبيح حرماتها.

قلنا لكم إن هذا الدستور الذي جمعتم لكتابته طائفة على غير إرادة وتفويض من الشعب المصري دستور باطل لا يمثل الأمة المصرية، ولن ترضاه لأنه يأتي تسلطاً وعلى غير اختيار الأمة وإرادتها، فأبيتم إلا المضي فيه.

قلنا لكم إن هذا الدستور هو أسوأ دستور وضع للأمة المصرية فقد جعل هوية الأمة المصرية فرعونية نصرانية وأقصى شريعة الإسلام أن يكون لها مجرد ظل في أي قانون يصدر عن أي سلطة تشريعية، وقلتم مكابرين بل حافظنا فيه على الهوية الإسلامية، وأصبحت الشريعة هي مصدر التشريع وأقول الآن ألا تتقون الله وأنتم تكابرون هذه المكابرة؟!.

شيخ ياسر دستوركم هذا مجموعة من الأغلال للأمة المصرية:

شيخ ياسر دستوركم هذا الذي شاركتم مكابرين فيه بالباطل مزق الأمة المصرية فجعل جيشها في خدمة نفسه وليس في خدمة الأمة وجعله مؤسسة خارجة عن سلطة الشعب والأمة، ولا سلطان ولا رقيب عليه إلا نفسه، وهذا يحول الجيش إلى سلطة احتلال للأمة المصرية، وكذلك جعل دستوركم سلطة القضاء سلطة تحكم ما تريد، ولا تُسأل عما تفعل!! وبالتالي ستكون أداة لتدمير الأمة لا لإقامة العدل فيها.

دستوركم هذا قسم الأمة المصرية إلى فريقين، فريق يوصم بالإرهاب وفريق آخر هم جيش مصر وشرطتها لقمع هذا الفريق الذي يوصم بالإرهاب، وقد رأيتم بأعينكم قد دخل معظم الشعب المصري وأكثريته في دائرة من يوصمون بالإرهاب، واستبيحت حرماتهم وهذا هو بداية التطبيق لنصوص دستوركم؟!.

عاشت الأمة المصرية ثلاثين سنة ونيفا طيلة حكم الرئيس السابق حسني مبارك تحت قانون الطوارئ والذي يبيح للسلطة أن تسجن أي مصري ستة أشهر ودون توجيه اتهام له، ثم تجدد المدة إلى ستة أشهر أخرى دون توجيه اتهام ودون تمكين من التظلم، وكان هذا وهو مجرد قانون لقي فيه المصريون البلاء كل البلاء، فكيف إذا تحول القانون إلى مادة في الدستور لا يبيح سجن المصري فقط دون تهمة بل قتله ومصادرة أمواله وسجنه مدى الحياة، واستباحة كل حرماته بمجرد وصفه بالإرهاب الذي لا مدلول محدد له عند من يطلقوه.

شيخ ياسر: تقول أن مشاركتكم في هذا الدستور إنما هو من باب أكل الميتة للمضطر!! عجباً وما الذي يضطركم إلى أكل الميتة، وعندكم دستور نظيف طاهر قد شاركتم فيه قبل، فكيف إذا كانت هذه الميتة سُماً زُعَافَاً وهذه هي حقيقة الدستور، وأقول لا شك أن الرضا بهذا الدستور الإجرامي الذي يؤصل لاستئصال دين الأمة المصرية وعقيدتها وتسليط بعضها على بعض، وإعطاء الحصانة كل الحصانة لمن يملكون القوة والبطش وإصدار ما يشاءون من أحكام قضائية لكل من يعترض طريقهم أو ينكر على ظلمهم وإجرامهم سيكون جريمة كبرى.

إياكم وهذا الدستور الإجرامي:

وأقول للأمة المصرية والتي لا تزال أنت تسعى جاهداً لتقول نعم لهذا الدستور، أقول لكل مصري أن هذا الدستور مجموعة من القيود والأغلال يراد تكبيل الأمة المصرية بها ودفعها إلى حتفها والفشل في دينها ودنياها، وإن كل مصري يخطو خطوة ليلقي ورقة في صندوق الاستفتاء على هذا الدستور بنعم أو لا سيكون خائناً لوطنه وأمته، وساعياً إلى طريق دمار الأمة المصرية.

شيخ ياسر لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا:

وأقول للشيخ ياسر والذي سئل لماذا سرتم في هذا الطريق فأجاب:

(بصراحة مكنتش متوقع الكم الساخط على ممارسات السنة السابقة على 30 يونيو بهذا الحجم، أنا فعلا متوقعتش كدا - كنت ما زلت أقول أعداد محدودة وعمرها ما هتوصل لهذه الأعداد لما حصل كدا، ووجدنا أيضاً انه دخلت قوى أخرى في المعادلة -القوات المسلحة والشرطة بالإضافة إلى القوى السابقة - القضاء والإعلام ورجال الدولة ورجال الأعمال- ما يسمونه بالدولة العميقة- كل دا اصطف في مكان واحد إضافة إلى الظهير الشعبي، أصبح من الخطأ ومن الخطر استمرار الحكم بهذه الطريقة، أصبح خطر على المشروع الإسلامي نفسه، كان المفروض إحنا نختار البقاء الآمن، ولو لم نكن في موقع السلطة).

وأقول لك ليس من الدين ولا من المروءة أن تنقض العهد، وتساير الباطل وتعين الظالمين، من أجل أنك تخاف على نفسك وحزبك وجماعتك، ومن أجل أنك رأيت أن معسكر الظلم اكبر من معسكر الحق؟!.

ألم يقل الله سبحانه وتعالى }وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

ثم أين المشروع الإسلامي الذي حافظتم عليه باصطفافكم مع الظلمة والناكثين؟، لقد دمرتم المشروع الإسلامي في مصر والعالم وجعلتم الانتساب إلى السلفية سُبَة، ودمرتم جماعة حزب النور التي كان يرجى لها مستقبل في العمل الإسلامي وأصبحتم عند الناس رمزا للجبن والخيانة، وهل المشروع الإسلامي الذي عنيتموه أن يحمل بضع مئات ممن ينسبون إلى حزب النور بطاقة هوية تحميهم من بطش السلطة (والبلطجية) هل هذا هو مشروعكم الإسلامي الذي حافظتم عليه؟، وسننتم في الدعوة إلى الله والعمل السياسي سنة سيئة وهي أن يذهب الشيخ من أمثالكم ليلقي خطبة تحميه فيها بنادق الشرطة ومصفحات الجيش فأين المشروع الإسلامي الذي حافظتم عليه باصطفافكم مع الظالمين.

شيخ ياسر: هل من عود إلى الحق؟

شيخ ياسر أناشدك بالله أن تعاود الحق، وأن ترجع عن طريق الظلم والخيانة التي سرتم فيه، واعلم أن الإصلاح قريب وسهل لو أردتموه، فردوا الأمر من جديد إلى الأمة المصرية بكافة عناصرها، واحتكموا من جديد إلى صندوق الانتخابات، واستفتوا الشعب المصري في إكمال الرئيس الذي انتخبته الأمة المصرية مدته أو عزله، وأعيدوا الدستور الذي ارتضته الأمة باستفتاء عام، أوصل هذه الرسالة إلى الفريق أول السيسي إن كان على قيد الحياة وسيذكره التاريخ بخير لو فعل ذلك، وإن كان قد لقي ربه فإن الله سيحاسب الجميع وسيأخذ كل احد نصيبه الأوفى وليكن هذا الحديث لخلفاء السيسي في الأمر، وليسعوا إلى مصالحة الأمة المصرية وجمع شتاتها، ورفع الظلم ممن وقع عليهم، ولتعيش الأمة المصرية التي عانت من الاستبداد طويلاً في ظل نظام ديمقراطي حر يقول فيه الشعب المصري كلمته وتنعم استقراراً وأمناً كما نعمت بذلك كثير من شعوب العالم، ألا يستحق الشعب المصري أن يعيش حراً كريماً وأن يتحرر من القهر والظلم والاستبداد؟!.

شيخ ياسر: أناشدك الله أن تنتقل إلى خارطة طريق هداية وعدل، وأن تقلع عن خارطة طريق مشئومة جرت الخراب والبلاء على الأمة المصرية بأسرها سائلاً الله أن يوفقني وإياك إلى الحق.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه والحمد لله رب العالمين.

وكتبه

عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف

السبــت 3 ربيع أول 1435

الموافق 4 ينـايـــــر 2014