رهانات حزب النور في ملف ترشح السيسي

جمال سلطان

على الرغم من الارتباط الوثيق بين المشير عبد الفتاح السيسي وبين حزب النور منذ لحظة الإعلان عن الإطاحة بنظام الرئيس السابق محمد مرسي في 3 يوليو، وهو الارتباط الذي تعزز بعد ذلك على رضا أو عن مرارة من كلا الطرفين تجاه بعضهما البعض، لأن الاثنين كانا في حاجة ماسة لبعضهما، السيسي للغطاء الديني لكسر الصورة الذهنية التي طرحها الإخوان بوصف ما حدث هو حرب على الإسلام أو التيار الإسلامي بشكل عام، مقابل الحماية التي يسبغها الجيش ومؤسساته الأمنية على حزب النور وكوادره وإبعادهم عن المحرقة التي تتم الآن أمنيا وقضائيا وهي أقرب إليهم من حبل الوريد، على الرغم من ذلك الارتباط إلا أن حزب النور يعتبر من أكثر المتضررين من إعلان السيسي ترشحه للرئاسة، وفي حدود علمي أن كثيرين من كوادر النور الفاعلة كانت تمني نفسها حتى اللحظة الأخيرة باعتذار السيسي عن الترشح ودفعه بمرشح آخر كواجهة مع بقائه على رأس المؤسسة العسكرية، وأعتقد جازما أن إعلان السيسي ترشحه مثل صدمة مؤلمة جدا لحزب النور ووضعته في مأزق شديد سيضطره إلى البحث عن صيغة تتيح له مواجهة هذا الاستحقاق بطريقة من يمسك العصا من المنتصف. يدرك حزب النور أن السيسي بالنسبة للتيار الإسلامي بكامله تقريبا يمثل "شيطانا" في الوقت الراهن، وبعيدا عن أي تفاصيل قضائية أو إعلامية هنا أو هناك، فإن التيار الإسلامي وكثيرين معه في مصر وخارجها يحملون السيسي مسؤولية الدماء التي أريقت لآلاف المواطنين المعارضين المحتجين على إطاحة مرسي، لأنه صاحب القرار الفعلي في الدولة والباقي ديكور سياسي لا أكثر، ولأنه حتى من الناحية الدستورية نائب رئيس الوزراء لشؤون الأمن، فهي مسؤوليته المباشرة، وأيضا لأنه من الناحية السياسية هو الذي طلب التفويض الشعبي لمواجهة المخاطر والعنف المحتمل، وطلبه لشخصه بشكل واضح ومحدد، وبعده وقعت حمامات الدم، كما أن هناك اتهامات أخرى عديدة أقل أهمية توجه إلى السيسي من مثل خداع الرئيس المنتخب، والتآمر على الديمقراطية، والانقلاب على الشرعية، وقيادة ثورة مضادة لثورة يناير، إضافة إلى حزمة إجراءات وقرارات وقوانين حاصرت النشاط الإسلامي بشكل مباشر وعنيف من أول إغلاق الفضائيات الإسلامية وحدها لتكميم أفواه الإسلاميين إلى تدمير الجمعيات الإسلامية إلى تأميم المساجد وبسط السيطرة الأمنية عليها بالكامل من جديد إلى الحملات الأمنية المكثفة والإحالات للمحاكمات بالجملة في أجواء لا تسمح لأحد بالثقة بالعدالة بأي معيار، وغير ذلك من اتهامات، هذا كله يعلق في رقبة السيسي، وهو ما يجعل أي حزب إسلامي يعلن تأييده في الانتخابات يعني "الانتحار" السياسي الحقيقي، وكان حزب النور في سعة من أمره قبل إعلان الترشح أن يدافع عن موقفه السياسي من مسار خارطة الطريق بشكل عام، كبحث عن الاستقرار واتقاء الفتنة ونحو ذلك، لكنه الآن، وبعد إعلان السيسي ترشحه للرئاسة، ضاقت مساحات الحركة والمراوغة، وأصبح أمام الحزب اختياران لا ثالث لهما، إما الإعلان الصريح عن دعم السيسي وتأييده في الانتخابات والمشاركة، ولو رمزيا، في حملته الانتخابية والدعوة له، وإما الرفض لترشحه أو التخلي عن ترشحه بمعنى أدق عن طريق الامتناع عن تأييد أحد من المرشحين والإعلان عن وقوف الحزب على الحياد في تلك المعركة، وهو الأمر الذي سيفسر في كل الأحوال على أنه خذلان للسيسي في الانتخابات، ودعم غير مباشر للمرشح المنافس، كما أنه قد يعرضه للخسارة الفادحة في أعقاب الانتخابات بخروجه من دائرة المحسوبين على السلطة الجديدة.

يدرك حزب النور أن السيسي هو المرشح الأقرب للوصول إلى كرسي الحكم، ليس عن طريق الشعبية أو الانتخابات الشفافة، فحزب النور أكثر من يعرف أن هذا هراء، ولكن يدرك أن أدوات الدولة العميقة حسمت أمرها، وأن هذا الكرسي لن يخرج مرة أخرى بعيدا عن القبضة العسكرية، وبالتالي يتعامل حزب النور مع "الرئيس السيسي" كأمر واقع، وبالتالي فهو يحسبها كما حسبها من قبل، ما جدوى المواجهة والاعتراض وما جدوى الرفض، هذا الموقف المتردد والمقلق عاشته الدعوة السلفية مرتين، مرة في نهاية حكم مبارك ومع تفجر ثورة يناير، ومرة في الجولة الحاسمة لانتخابات الرئاسة بين مرسي وشفيق، ولكني أتصور أنها في هذه المرة أكثر تسليما بالأمر أو استسلاما للواقع الجديد في كل الأحوال، وفي الحساب السياسي الإجمالي، فحزب النور يدرك أن مصيره أصبح مرتبطا بمصير السلطة الحالية، وأن أي تغير في موازين القوى فسيكون هو أحد أبرز الأطراف التي تدفع ثمنا فادحا فيه، على مستويات عديدة، كما أنه أكثر إدراكا أن ما خسره من قواعد شعبية في الحالة السلفية بفعل المواقف السابقة، والتقلصات الشديدة التي حدثت، لا يمكن علاجها في الأمد المنظور، وهو ما يجعل الحزب يغامر "برهانه" على السيسي حتى النفس الأخير.

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1