رسالة إلى الأمة المصرية العظيمة في يوم من أيامها المجيدة

 

4 من شــــوال 1434

11 من أغسطس 2013

كتب: عبد الرحمن بن عبد الخالق

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

* صلاة عيد الفطر في ميادين القاهرة بهذا الجمع الذي لم يوجد مثله في تاريخ الإسلام، يوم من أيام الله يجب أن يبقى معمولا به في أجيال المصريين إلى يوم القيامة.

* أيها الشعب المصري العظيم لو قدمت اليوم ألف ألف شهيد لتسترد إرادتك وتقيم العدل في أمتك فلن يكون كثيراً، (وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ).

* أرادوا إطفاء نور الله في مصر فأبى الله إلا أن يتم نوره فيها، صلاة في ميادينها وقياماً وتكبيراً واحتشاداً وسباقاً لنيل الشهادة.

* إلى الفريق السيسي: كم ستشرب من دماء المصريين حتى تسلم الأمر إلى أهله؟؟

* المؤيدون للانقلاب عليهم كفل من الدم المراق.

* لن يسلم الساكتون عن الباطل من المساءلة أمام الله غداً {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}.

* إلى الذين كذبوا على الله ورسوله ودين الإسلام: الذين قالوا (إن كل من تسلط على المسلمين واغتصب السلطة أصبح ولياً للأمر تجب طاعته ولا يحل الخروج عليه) أين وجدتم كذبكم هذا في كتاب الله أو في سنة رسوله أو في أقوال سلف الأمة وعلمائها؟؟.

* إلى علماء مصر الساكتين وهم كارهون للانقلاب لا يسعكم السكوت اليوم.

* إلى علماء مصر الساكتين وهم راضون عن الانقلاب أنتم مشاركون في الجريمة وكل نفس تقتل ظلماً فعليكم كفل منها.

* إلى علماء المسلمين في كل بقاع الأرض إنكار هذا المنكر واجبٌ شرعي عليكم جميعاً.

* إلى شيخ الأزهر: بأي سند شرعي أو قانوني استندت عليه في تأييدك لهذا الانقلاب؟.

* إلى قضاة مصر: بأي دستور أو قانون أقررتم الانقلاب على دستور اختاره الشعب بأشرافكم، ورئيس انتخبه الشعب بإشرافكم ورعايتكم؟.

* * * * * *

قرأنا في التاريخ (من أراد أن يرى عز الإسلام فليصل الجمعة ببغداد، وليشهد العيد في أنطاكية)!!

واليوم نقول من أراد أن يرى عزة الإسلام فليصل العيد في ميادين القاهرة، فهذه الجموع المحتشدة والتي أتت من كل مكان من مدن مصر وقراها لتحتشد لصلاة عيد لم يحصل في التاريخ مثله قط، مع ما ينتظرهم من التهديد والوعيد، لهو أروع مشهد من مشاهد الإيمان.

أراد أهل الانقلاب أن يطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره.

وستكون هذه الصلاة المشهودة بحول الله سنة جارية في أجيال المصريين إلى يوم القيامة.

تحية مني وهي أن شاء الله تحية من العالم أجمع لشعب مصر العظيم الذي خرج بجموعه رجالاً ونساءاً تنكر أعظم منكر وقع في أرض مصر حين اغتصبت إرادة الشعب، وألغي دستوره الذي ارتضاه وصوت عليه، وأقصي رئيسه الذي انتخبه بإرادته الحرة، وجاء من كان موقعه أن يقف بوجه أعداء مصر فحول عداوته إلى شعب مصر، وانتزع الحكم لنفسه وعين رئيساً للبلاد من عند نفسه وادعى أن هناك من شعب مصر من وكله بذلك وفوضه فيما يقوم به من الاغتصاب، ثم طلب من الناس تفويضاً آخر في قتل المعارضين.

هذا الأمر الذي أنكره العالم أجمع، ووصفه بأنه انقلاب، غير مشروع في أي شرعة ودين، وقانون ودستور!!

ونأسف إذ خرج بعض الأفاكين الكذابين ليقول إن هذا عمل مشروع في الإسلام، وأنه إذا ما تم لمغتصب للسلطة أخذ الأمر وحيازة القوة فإنه يصبح إماما للمسلمين، ووليَ أمر واجب الطاعة، وأن القيام عليه يكون من عمل الخوارج المارقين، ونسبوا قولهم هذا إلى الكتاب والسنة والإجماع...

ونقول أولا لهؤلاء الكذابين الأفاكين أين وجدتم هذا في القرآن والسنة، وعمل الصحابة أو التابعين أو في قول عالم يؤخذ بقوله في كل قرون الإسلام!!

هل قال عالم قط أيها المسلمون من تسلط عليكم وفرق جماعتكم فاسمعوا له وأطيعوا؟، أم أن كلام الله ورسوله وإجماع الأمة على غير ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى في كتابه جعل الإمامة هي الأمانة وأمر الأمة بوضعها في مكانها فقال جل وعلا {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} وقال صلى الله عليه وسلم [مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعًا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ ، وَيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ] صحيح مسلم من حديث عرفجة، وقال أيضا [إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا] صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته على منبر رسول الله (ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا) صحيح البخاري.

وأما سلف الأمة فإنهم لم يقروا أحداً على أخذ الأمانة الكبرى بغير رضاً ومشورة قط، بل قاموا بوجهه إنكاراً باللسان، وقتلاً بالسيف والسنان.

فأول المفتئتين عليه والمعارضين له والثائرين عليه هو عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلم يرض المسلمون عن فعلهم وسعوا في قتلهم بكل سبيل أبداً حتى قتلوهم عن آخرهم، فعندما اجتمعوا في جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه، خرج أهل المدينة في إثرهم إلى الكوفة طلباً لقتلهم وكان على رأس الجيش الذي خرج من المدينة طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وهما من العشرة المبشرين بالجنة وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها مطالبين بقتل قتلة عثمان، ثم قام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما الذي لم يبايع علياً رضي الله عنه مطالباً بقتل قتلة عثمان قبل أن يدخل في البيعة لعلي رضي الله عنه ثم لما نشبت الحرب علم الناس أن معاوية سينتصر في نهاية المطاف لأنه ولي دم عثمان، وقد قال تعالى {وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} ومعاوية رضي الله عنه كان ولي الدم وقام في طلب قتلة عثمان والشاهد من كل ذلك أن أهل الإسلام لم يستكينوا أو يستسلموا لمن توثب على الحكم وقتل خليفتهم.

ثم إن معاوية بن أبي سفيان لما أراد أن يولي ابنه يزيد للخلافة بعده، دون رضا المسلمين بذلك، انتفضت كل أمصار الإسلام ضد هذا الأمر فقام بن عمر رضي الله تعالى عنهما في المدينة وقال رداً على معاوية الذي قال (من أحق منا بهذا الأمر فليطلع لنا قرنه) فقال عبد الله بن عمر (أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام ) ثم لما مات معاوية وتحول الأمر إلى يزيد قام أهل المدينة فخلعوه وقاموا في وجهه وخرج الحسين بن علي رضي الله عنهما إلى العراق لنزع سلطان يزيد، ورد الأمر إلى الأمة، وخرج أهل مكة عن بيعة يزيد إلى مبايعة عبد الله بن الزبير، وحاز بن الزبير رضي الله عنهما أعظم وأكبر أقاليم الإسلام من اليمن إلى العراق...

والشاهد من كل هذا أن المسلمين لم يرضوا بأن يكون خلافة بغير مشورةٍ منهم كما أمر سبحانه وتعالى، فالقائلون بوجوب الإذعان لكل من تسلط على المسلمين ونحى إمامهم القائم ونصب نفسه إماماً وجبت طاعته ويصبح بذلك ولياً للأمر كاذبون على الله ورسوله ودين الإسلام.

بل لا توجد أمة من الأمم وملة من الملل شرعت تشريعا كهذا، وتجعل كل من اغتصب السلطة ونصب نفسه عليهم أنه يجب عليهم طاعته، كيف يكون دين الإسلام الذي هو دين الحق دينا يأمر أتباعه بالرضا عمن يسلط عليهم بالباطل وانتزع السلطان الذي بايعوه واختاروه، ويكون هذا المغتصب للسلطة عندهم إماماً شرعياً يجب عليهم طاعته بالأمر الإلهي، والشرعة الربانية التي شرعها الله لعباده، فانظر استنكار العالم كله لهذا الانقلاب وأنه مخالف للشرائع الدولية، وما أجمعت عليه الأمم في تشريعاتها، ثم انظر كيف يقول هؤلاء الافاكون أن شرعة الإسلام وشريعة الله تأمر بطاعة من فعل ذلك.

أحببت أن أسجل في هذا البيان هذا الموقف العظيم لهذا الشعب المصري العظيم الذي انتفض من أقصاه إلى أقصاه يرفض ما وقع عليه من الحَيف العظيم وسلب حقه في اختيار رئيسه، وفي إبطال دستوره الذي ارتضاه ونظامه الذي وافقت أغلبيتهم عليه.

يوم من أيام الله يتحقق لهذه الأمة المصرية العظيمة، فتنتفض صائمة قائمة مصلية محتشدة في الميادين، تقابل سلاح الفتنة الباغية بصدورها العارية، وقلوبها الطاهرة نصرةً للحق، وإزهاقاً للباطل.

يوم من أيام الله منذ أربعين يوماً إلى اليوم سالت الدماء الطاهرة لأبناء مصر حيث قتلوا راكعين ساجدين.

يوم من أيام الله قد يطول بالآلام ولكن هذا الشعب العظيم يعلن استعداده لأن يقدم الآلاف والآلاف شهداء عند الله.

وأقول للفريق السيسي دماء هؤلاء المصريين جميعاً في رقبتك، أنت ومن تزعم أنهم فوضوك في ذلك، وكذلك من أعانوك بل ومن قد سكتوا عنك شركاء في هذا الأمر، لقد فرقت الأمة المصرية، وضربت بعضها ببعض، وفوضتك القلة المارقة على الأغلبية الساحقة عموم الشعب.

وأقول لك باب العودة للحق مفتوح وباب التوبة لا يغلق {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}.

تستطيع أن تجمع شمل الأمة المصرية كما كان، بإرجاع الدستور الذي ارتضاه الشعب والرئيس الذي انتخبوه، ثم الدعوة من خلال ذلك إلى انتخابات مبكرة للرئاسة، واحتكام المصريين جميعاً إلى النظام والقانون الذي اختاروه وإلى صندوق الانتخابات ليفصل بينهم في كل تنازع يتنازعون فيه، أما تسلط أقلية على الغالبية، فلن يستقر أمرٌ ولن يقرَ قرار.

علماء مصر ومشايخها: الساكتون منكم مع الرضا بالانقلاب مشاركون في الجريمة، والساكتون منكم مع رفض الانقلاب في نفوسهم لا يسعهم السكوت اليوم وأما القائمون منكم بالإنكار فهو أعظم الجهاد والأمة المصرية تنتظر منكم أن تقودوا مسيرتها لعودة سلطان الأمة إليها ولدرء الخطر الذي يتهدد وجودها بهذا الانقسام الذي صنعه هذا الانقلاب.

شعب مصر العظيم اصبروا وأذكركم بقول موسى عليه السلام لقومه {اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

* * * * * *

النصوص الواردة في الرسالة

{وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} (الحديد - 19).

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} (البقرة - 159).

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء - 58).

[مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعًا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ ، وَيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ] (صحيح مسلم من حديث عرفجة).

[إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا] (صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري).

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته على منبر رسول الله (ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا) (صحيح البخاري).

{وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً} (الإسراء - 33).

{إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} (البروج - 10).

{اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف - 128).