بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خطاب ثان إلى فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

 

مرة ثانية أوجه خطابا إلى فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمون، وقد أصبح اليوم أكبر رجل ديني وسياسي في مصر، فهو يقود جماعة الإخوان المسلمون والتي ينتمي إليها الملايين في مصر والعالم، وقد انبثق منها أكبر حزب سياسي في مصر وهو حزب الحرية والعدالة والذي يقود الأغلبية البرلمانية.

 

وقد كنت أتمنى بعد ظهور حزب الحرية والعدالة، أن يفصل الإخوان بين الجماعة والعمل السياسي فيدعوا عملهم السياسي للحزب وتبقى الجماعة ومرشدها العام في الدعوة والتوجيه والإرشاد، ولكن الجماعة أناطت بالمرشد العام كذلك قيادة العمل السياسي وفي هذا ما فيه من المفاسد والمخاطر لست الآن بصدد بيانه، ولكن ما دام أن فضيلة المرشد هو الذي يقود العملية السياسية في مصر الآن فسيكون بالضرورة محلا للنقد، والواجب على كل مسلم النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وفضيلة المرشد من أئمة المسلمين الآن وخطابي السابق وهذا الخطاب هو من باب النصح لأئمة المسلمين والذي أخذه الله علينا كما قال صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة ثلاثا قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) وقد قلت لفضيلة المرشد في الخطاب السابق أن تراجعكم عن عهدكم الذي قطعتموه للشعب المصري ألا تدفعوا بمرشح للرئاسة ثم نقضكم لهذا العهد والوعد بعد ذلك أمر عظيم وكبير، وذلك أنه سيجعل الناس لا يثقون في عهودكم ووعودكم، وأنكم تمارسون السياسة كما يمارسها غيركم من الذين لا يلتزمون بالإسلام، وأن هذا قد يؤدي إلى انفضاض الناس عن من ينادي بالسياسة الشرعية، ويقولون الجميع سواء من يرفع شعار الإسلام ومن لا يرفعه، ويكون في هذا سقوطا للشعار الذي رفعتموه دائما (الإسلام هو الحل).

 

ورجوتكم في خطابي الأول أن تراجعوا قراركم حرصاً على هذه الجماعة وإنقاذا لسمعة المسلمين.

 

ولكني فوجئت أن شيخنا وعالمنا شيخ مصر كلها وعالمها الدكتور محمد عبد المقصود والذي له عليّ من الفضل والجميل ما لا استطيع توفيته، فقد كان على رأس من استقبلوني في مطار القاهرة مع فضيلة شيخنا العالم المحدث أبي إسحاق الحويني وشيخنا الدكتور محمد عبد السلام وعدد كبير من علماء مصر ومشايخها وشبابها، وقد كانت عودتي بعد ثلاثين سنة كنت فيها ممنوعا من زيارة مصر، استقبلنا الشيخ محمد عبد المقصود وأبى إلا أن اركب سيارته وركب هو في المقعد الخلفي مما جعلني في غاية الحرج والخجل، وكان كذلك قد أعد لي نزلاً وضيافة في منزله، وقد أحزنني وآلمني أنني لم استطع إجابة دعوته، وأبى إلا أن يذهب معي بنفسه إلى بنها حيث إقامة أبنائي.

 

وإكرام الشيخ لي ما زلت لليوم اشعر بالتقصير نحوه، وعجزي أن أوفي له قدره وجميله.

 

أقول قد استمعت إلى مقطع من شريط مسجل وقد سئل علامة مصر وشيخها الدكتور محمد عبد المقصود هل ما قام به المرشد يعد من إخلاف الوعود والنفاق فأجاب بما معناه أن إخلاف الوعد والذي هو من صفة النفاق إنما هو ممن اضمر عند الوعد والعهد ألا يوفي، أما من كان مريدا للوفاء وحدثت له أمور فيجوز له أن يرجع عن عهده ووعده.

 

والحق أن ما قاله شيخنا وأستاذنا مجانبا للصواب فإن من أضمر إخلاف وعده عند إعطاءه الوعد فهو كاذب، وأما من أبرم عهدا ووعدا وهو ينوي الوفاء به فإنه كذلك لا يجوز له نقضه من طرف واحد بل لا بد أن يرجع إلى الطرف الآخر الذي عاهده وواعده قبل أن يرجع عن عهده ووعده أو يتفقا على أمر آخر، أما أن يرجع عن عهده ووعده دون الرجوع إلى الطرف الآخر فهذا إخلاف كذلك وقد يكون غدراً إذا فعل ما يناقضه، وهذا أمر مجمع عليه ولم يقل أحد في حد علمي أن من أعطى عهدا أو وعدا ثم بدا له خلاف عهده ووعده أن يرجع عنه دون الرجوع للطرف الآخر.

 

فأعظم العهود العهد مع الله فمن عاهد الله بشيء وجب أن يوفي وإلا تعرض للعقوبة كما قال تعالى {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ {75} فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ {76} فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ {77}} (التوبة).

 

والنذر عهد بين العبد وربه فالنذر المشروط عهد بين العبد وربه (إن فعلت لي كذا فعلت كذا) كقول القائل لربه (إن نجيت ابني تصدقت بمائة دينار) فيجب أن يوفي إذا تحقق الشرط وهذا النذر المشروط مكروه في الإسلام مع وجوب الوفاء به، وأما النذر غير المشروط فهو ما عاهد العبد عليه ربه دون شرط يرجو حصوله كقول القائل (لله على أن أتصدق بكذا) فعليه أن يوفي في حال مقدرته فإن عجز كفّر كفارة يمين.

 

وكذلك الشأن في القسم فمن حلف أن يفعل خيرا وجب عليه الوفاء به، ومن حلف ألا يفعل خيرا، فإن تركه لهذا الشر كفاره ويسقط عنه الكفارة [فعن ‏‏عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ‏تَقُولُ ‏سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا وَإِذَا أَحَدُهُمَا ‏‏يَسْتَوْضِعُ ‏الْآخَرَ ‏‏وَيَسْتَرْفِقُهُ‏ ‏فِي شَيْءٍ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏فَقَالَ ‏أَيْنَ‏ ‏الْمُتَأَلِّي ‏عَلَى اللَّهِ، لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ]‏.

 

ومن هذا الباب قوله تعالى {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} (البقرة:224)، لا تجعل يمين الله معترضا بينك وبين فعل الخير فإذا حلفت ألا تفعل خيرا فارجع عن يمينك وافعل الخير.

 

ومن العهود التي لله ما أخذه النبي من المؤمن لربه، كبيعتي العقبة وبيعة الرضوان، وبيعة النساء، وكل هذه البيعات التي لله يجب الوفاء بها {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (الفتح:10).

 

وأما العهود والوعود والعقود مع الناس فيجب الوفاء بها كذلك، سواء كانوا مؤمنين أو كفارا وبكل شرط جائز، كما قال صلى الله عليه وسلم [المسلمون عند شروطهم]، كعقود الزواج وقد قال صلى الله عليه وسلم [إن أحق الشروط بالوفاء ما استحللتم به الفروج] وفي البيع والإجارة وسائر عقود المعاوضات، وكذلك في عقود التبرعات.

 

ولا يحل لمسلم أن ينقض عهده وعقده مع الآخرين من عند نفسه، كعقد الإمامة مثلا يجب الوفاء به، وإن حصل من الإمام ظلم لمن عاهده وبايعهّ!! فإنه لا يجوز له أن ينقض عهده كذلك، ولا ينقض عهد الإمام إلا بالكفر والردة.

 

وأما مع الكفار مستأمنين ومحاربين، وذميين وغيرهم فيجب الوفاء بالعهود والعقود معهم ومن نقض عهده مع كافر فهو آثم ناقض للعهد كما قال تعالى {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (الأنفال:58)، وقال أيضا }فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } (التوبة:4)، وقال أيضا {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (آل عمران:76).

 

وقد أدى النبي في كل ما عاهد به الكفار حتى وإن كان شرطا مذلا للمسلمين، كالعهود التي كانت في الحديبية فإن مما شارط الكفار عليه النبي أن يرجع دون أن يعتمر ففعل، وأن تخلى له مكة ثلاثة أيام فقط من العام القادم للعمرة ففعل، وأن يرد لهم من جاءهم مستجيرا ففعل وقد رد المسلمون للكفار أبا جندل وأبا بصير علما أن هذا الشرط رآه المسلمون من الذلة والدنية وكاد أن يرتد بعض المسلمين بسببه.

 

وقد هالني فيما ذهب إليه بعضهم ممن يبرر فعل المرشد العام من رجوعه عن عهوده ووعوده للشعب المصري ألا يقدم الإخوان أحدا للرئاسة أن النبي رجع عن عهوده كذلك عندما دخل مكة فاتحا في السنة الثامنة، وهذا من قائله من اكبر الكبائر إن كان جاهلا، ومن الكفر إن كان عالماً فإن من المعلوم من الدين ضرورة أن النبي لا يخلف وعدا ولا ينقض عهدا، وقد شهد الكفار أنفسهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بعهوده، ففي حديث ابن عباس أن هرقل لما سئل أبا سفيان عن النبي قال: هل يغدر قال لا قال وكذلك الرسل لا تغدر وقد كان أبو سفيان حين قال ذلك كافرا.

 

ومن قال من الذين يدافعون عن قرار المرشد العام حفظه الله إن الرسول صلى الله عليه وسلم هاجم أهل مكة ودخلها فاتحا بعد أن عاهدهم بوضع الحرب عشر سنين فهو جاهل كاذب فإن النبي إنما هاجمهم بعد أن نقضوا عهدهم عندما هاجمت بكر بن وائل وهم حلفاء قريش خزاعة وهم حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك نقضوا عهدهم.

 

ومن قال سابا أو شاتما للرسول بأنه نقض عهدا مع مسلم أو كافر فقد كفر!!!

 

وأعود فأقول بأن جماعة الإخوان المسلمون قد قطعت مع الأمة المصرية مجموعة عهود وعقود بأن تلتزم ألا تقدم لمجلس الشعب إلا ثلث الأعضاء، وألا تقدم للرئاسة أحدا منهم .

 

ثم أنها نقضت ذلك واخلفت عهدها وقد بينا ما في هذا من المخالفة الشرعية، كيف أن ذلك سيؤدي إلى عدم الوثوق في عهود الجماعة ووعودها، وسيسوي الناس بين مسلم يمارس السياسة وغيره ممن يمارس السياسة غير ملتزم بشرع ودين، وإنما دافعه المصلحة والهوى، وما يمكن أن يؤدي من هجوم الناس على الجماعة واتهامها، والنفرة منها، وكذلك انفضاض أنصارها بل كثير من أعضائها، وغير ذلك من المفاسد.

 

ومن اجل ذلك دعونا الجماعة إلى العدول عن قرارها ورجوعها إلى قرارها الأول فإن فيه خيراً لها وللناس.

 

ومن مفاسد دفع الإخوان بمرشح لهم إلى رئاسة الجمهورية إثارة موجه من الكراهية لهم، لأن هذا جاء في وقت انجراف الناس نحو ترشيح الشيخ حازم أبو إسماعيل، واجتماع جمهور الأمة المصرية عليه، وهذا الذي حدا بنا أن ندعو جميع المصريين أن يدخلوا في ما دخل فيه غالبيتهم وسوادهم، وذلك خوفا من افتراق الكلمة ووصول رئيس ضعيف يستند إلى أغلبية قليلة، فكيف إذا كان هذا الرئيس غدا مبغوضا من عموم الشعب مكروها.

 

كل الرجاء أن ترجع الجماعة عن قرارها بدفع المهندس الطيب خيرت الشاطر، وأن تعود إلى قرارها الأول بعدم الدفع بمرشح للجماعة إلى الرئاسة.

 

وكل الرجاء أن تفصل الجماعة بين منصب المرشد العام لجماعة الإخوان وتبقى في مقام الدعوة والشورى والتوجيه والإصلاح وتترك القرار السياسي للحزب.

 

فلأن يلوم الناس رئيس الحزب على موقف ما أو قرار ما، خيرا من أن يوجه اللوم على الجماعة الدعوية ومرشدها العام، وقد رأيتم سيل الشتائم التي وجهت للجماعة بسبب هذه القرارات التي صدرت من المرشد العام.

 

كتبت ما كتبت حرصاً على الجماعة، هذا وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع الأمة المصرية على الحق والهدى وأن يتولى الأمر فيها رئيس صالح يحبه المصريون ويحب المصريين، ويصلون عليه ويصلي عليهم.

 

والحمد لله رب العالمين،،

 

وكتبه:

عبد الرحمن بن عبد الخالق

12 جمادى الأولى 1433هـ

الموافق 3 ابريل 2012م