الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فهذه -بحمد الله- الطبعة الثانية لكتاب "الرد على العنبري"، وقد زدت فيها بعض الزيادات المهمة، فأضفت أقوالاً أخرى لبعض العلماء حول تحكيم القوانين الوضعية، كما أضفت ردوداً أخرى حول بعض القضايا التي أثارها العنبري كما في تفسير قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً}، وقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}.

وفي مسألة التفريق بين الكفر المعرف باللام والكفر المنكر في الإثبات، وغير ذلك.

وقد قمت بقراءة الكتاب على صاحب الفضيلة العلامة الشيخ عبدالله ابن محمد الغنيمان -حفظه الله ورعاه- وطلبت من إبداء رأيه فيه، فتفضل مشكوراً بتقريضه، فأسأل الله سبحانه أن يجزيه خير الجزاء، وأن يبارك فيه وفي علمه.

وعرضت الكتاب أيضاً على فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان -وفقه الله-، فتفضل بقراءته، وإبداء بعض التصحيح والتعليق عليه، فجزاه الله خيراً وبارك فيه وفي علمه.

والله المسؤول أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يجعله خالصاً لوجهه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد الله رب العالمين.

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد..

فهذا رد موجز ومناقشة سريعة لكتاب "الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير" لمؤلفه خالد بن علي العنبري، فقد خاض هذا الكاتب -هداه الله- بما لا يحسن، وقرر ما لا يعلم، واختلق أقوالاً على أناس لم تخطر ببالهم، وأساء فهماً بأقوال آخرين، وزعم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفراً إلا بالإستحلال كسائر المعاصي، فلم يفرق بين صورة وصورة، فلم يفرق بين المشرع وغيره، بل عمم القول على ذلك، بل تجرأ وزعم الإجماع على ذلك، وهذا غاية في الإستخفاف بالعقول اضطر الكاتب معها إلى الكذب والتدليس وإغفال بعض الأقوال وبتر بعضها كما سيظهر.

أضف إلى ذلك ما ابتلي به هذا المسكين من الثناء على نفسه وبحثه، فنسأل الله العافية، فخذ مثلاً قوله عن كتابه (10): "ولا أحسب أن في الكتب المعاصرة من نسج على منواله في التجرد والموضوعية، والوقوف على النصوص القرآنية والحديثية بفهم سلف الأمة وأئمة أهل السنة"، وخذ أيضاً قوله (19): "لا ينبغي لمؤمن أن يخوض في مسائل التكفير من قبل أن يقف على أصوله، ويتحقق من شروطه وضوابطه، وإلا أورد نفسه المهالك والآثام وباء بغضب الرحمن، وذلك أن مسائل التكفير من أعظم مسائل الدين وأكثرها دقة لا يتمكن إلا الأكابر من أهل العلم الواسع والفهم الثاقب. وهذه أهم أصوله وضوابطه وشروطه:..".

إلى غير هذه من العبارات التي يشير بها الكاتب إلى سعة علمه واطلاعه، وكأنه بهذا يخاطب عمياً صماً لا يفهمون الخطاب ولا يدركون مواطن الخلل، ولقد أحسن القائل:

ودعوة المرء تطفي نور بهجته

هذا بحق فكيف المدعي زللا

فنسأل الله العافية.

ولم أقصد في هذا الرد تتبع كل ما في كتاب العنبري من أخطاء والرد عليها، وإنما اقتصرت على أهم مسألة تطرق لها الكاتب وهي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وإلا فهناك مسائل أخطأ الكاتب في تقريرها وتناقض فيها كما في كلامه على كفر العمل وزعمه أنه لا يخرج من الملة إلا إذا دل الجحود والتكذيب أو الاستخفاف والاستهانة والعناد (قـال الشيـخ سليمان بن علوان -حفظه الله-: "وهذا مذهب غلاة المرجئة والجهمية كما تراه مبينا في كتب أئمة أهل السنة، كالسنة للخلال، والإبانة لابن بطة، ومؤلفات ابن تيمية، وغيرها كثير. ومن قبل قد كتب بعضهم كتابا أسماه "إحكام التقرير لأحكام مسألة التكفير"، فخاض بما لا يحسن، وقرر ما لا يعلم، وزعم أن تارك جنس العمل لا يكفر، فخالف بذلك الكتاب والسنة وما عليه أئمة السلف، والعجيب أنه نسب ما في كتابه من محض الآراء ومذاهب أهل الإرجاء إلى أئمة السلف حتى كاد ينقل الإجماع عليه، فانتدب لرد أباطيله وكشف تلبيساته وبيان جهله في هذه المسألة الكبيرة مجموعة من طلبه العلم، كما أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -حفظه الله- بيانا في خطورة هذا الكتاب وتحريم بيعه وشرائه لما يشمل من العقائد الفاسدة، وتقرير مذهب المرجئة ولبس الحق بالباطل") وغير هذه من المسائل.

وقبل الشروع في الرد لا بد أن أبين أموراً ثلاثة:

* الأول: إن منهج السلف أن من كفر أحداً من هذه الأمة وهو مجتهد في تكفيره ومستدل بالنصوص وبأقوال أهل العلم فإنه مأجور على كل حال، وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمه الله- في كتاب (الإتحاف في الرد على الصحاف) (30): "وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفراً بواحاً كالشرك بالله وعبادة ما سواه، والإستهزاء به تعالى أو بآياته أو رسله أو تكذيبهم أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله" ا.هـ.

فإذا عرفت هذا عرفت ضلال من يحكم على مخالفه في هذه المسألة بأنه خارجي أو تكفيري أو مبتدع، ويفسد بين شباب الأمة ويثير الفتن ويعقد الولاء والبراء على ذلك، بل بعضهم لا يفتأ يذكر ذلك حتى على صفحات الجرائد، ثم يزعم بعد ذلك ظلماً وجوراً وبهتاناً أنه على منهج السلف والسلف ومنهجهم منه براء، كما قال الشاعر:

راحت مشرقة ورحت مغربا

فمتى لقاء مشرق ومغرب

* الأمر الثاني: على التسليم منا جدلاً للعنبري ومن يقول بقوله بأن الحاكم بالقوانين الوضعية لا يكفر إلا بالاستحلال، فهل فعلاً هؤلاء الحكام لا يستحلونها أو لا يرون أنها أفضل من حكم الله؟.. هذا ما لا يسلم له بحال، كيف وهذه تصريحاتهم تملأ وسائل الإعلام ثناء على هذه القوانين الكافرة الظالمة وتنزيهاً لها، وكونها كفيلة بنشر العدل والأمن بين الناس، بل يصرحون أنهم يؤمنون بهذه الديمقراطية إيماناً لا يتزعزع، بل يؤمنون بها شرعة ومنهاجاً، فهذا ظاهر أحوالهم وأقوالهم فهل نتكلف ونشق عن بطونهم أم نأخذهم على هذا الظاهر، وهذا ما أمرنا به؟

قال فضيلة الشيخ عبدالله بن جبرين -حفظه الله-: "هؤلاء الذين يقولون لا بد من الاعتقاد نرى أنهم أخطأوا، وذلك لأنا إذا رأينا إنساناً يعمل عملا وهو لم يكره عليه، ولم يهدد بالقتل بل يعمله وهو مسرور به راض به منشرح الصدر له فإننا نحكم بأنه استحله، وأنه رآه أصلح وأحسن من غيره، فنحكم عليه بما يظهر لنا من فعله.

وأما إذا قال لنا جهرة أو خفية إنني غير مستحل له إنني أعمل به وأعتقد أنه لا يجوز ومع ذلك يطبقه ويميل إليه ويفضله على غيره ويعمل به علنا وجهرا فلا نصدقه في قوله إنه غير موقن به، بل نقول قد حكمت به واطمأننت إليه وعملت به عملا ظاهرا، فلا يقبل كلامك في أنك غير مستحل له، نحكم عليك بالظاهر أنك مستحل له ظاهراً، وأما القلوب فليس لنا أن نفتشها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [إني لن أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق عن بطونهم].

أي فنحن نحكم عليه بما ظهر منه، فمن أظهر لنا خيراً أحببناه على ذلك الخير، ومن أظهر لنا شراً عاملناه بموجب ذلك الشر.

الحاصل أن الذين يعملون به نحكم عليهم بأنهم مستحلون له لأنهم منشرحو الصدور له مطمئنون إليه، فهم من أهله نحكم عليهم بما يعملونه ظاهرا وباطنا فلا عبرة بكلامهم في أنهم ليسوا بمستحلين له، فالاستحلال هو العمل به ظاهرا وقد حصل منهم" (من شريط "أقوال العلماء في من بدل الشرع").

قلت: إن القول بأن هؤلاء المستبدلين للقوانين الوضعية بكتاب الله لا يستحلونها ولا يرون أنها أفضل من حكم الله مكابرة عجيبة ومجادلة بالباطل إذ كيف يعتقدون بأن شريعة الله تجمع خيري الدنيا والآخرة، وأن في تحكيمها العدل والأمن والنصر والنجاة، وفي تركها الدمار والهلاك، ثم يتركونها إلى غيرها من قوانين البشر؟.

* الأمر الثالث: مسألة الحاكمية من المسائل التي أخذت حقها من البحث، وألف فيها ما لا مزيد عليه وأقوال أهل العلم فيها واضحة وفي متناول الجميع، وأنا على يقين تام أن من تجرد للحق فلا بد أن يوفق إليه، ولم أكتب هذا الرد إلا بعد أن طلب مني ذلك، وبعد أن رأيت تأثر البعض بهذا الكتاب وتبجحهم بأنه لم يرد عليه أحد، فكتبت هذا الرد مستعيناً بالله متوكلاً عليه من غير توسع في ذكر الأدلة وأقوال العلماء لأن شبه العنبري هي شبه أسلافه فليس له إلا الصياغة والتهويل، ومن أراد الاستزادة فليراجع ما ألف في هذه المسألة.

والله الموفق وهو الهادي وآخر دعواي: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، والحمد لله رب العالمين.

كتبه محمد بن عبدالله الحصم

الكويت - الدوحة 15/11/1418هـ

تحقيق معنى قول السلف كفر دون كفر

ذكر العنبري في قاعدته الأولى وقرر في كتابه أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر إلا إذا جحد حكم الله، أو استحل الحكم بغير ما أنزل الله، واستدل على ذلك بقول ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره في تفسير قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (المائدة:44).

من أنه ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وأنه كفر دون كفر، ثم نزل هذا الحكم في قاعدته الثانية على من حكم بالقوانين الوضعية ثم زعم بعد ذلك في مطلبه العزيز إجماع السلف والخلف من أهل السنة على ذلك.

والرد عليه أن نقول: إن تفسير ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره من السلف هو الحق الذي لا مرية فيه (قال الشيخ سليمان بن ناصر العلوان -حفظه الله- في التبيان (38): "وما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما - من قوله (كفر دون كفر) فلا يثبت عنه، فقد رواه الحاكم في مستدركه (2/313) من طريق هشان بن حجير عن طاوس عن ابن عباس به، وهشام ضعفه أحمد ويحي. وقد خولف فيه أيضاً فرواه عبدالرزاق في تفسيره عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال "هي كفر". وهذا هو المحفوظ عن ابن عباس أي أن الآية على إطلاقها، وإطلاق الآية يدل على أن المراد بالكفر هو الأكبر، إذ كيف يقال بإسلام من نحى الشرع واعتاض عنه بآراء اليهود والنصارى وأشباههم. فهذا مع كونه تبديلا للدين المنزل هو إعراض أيضا عن الشرع المطهر، وهذا كفر آخر مستقل. وأما ما رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس: أنه قال (ليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وبكذا وبكذا) فليس مراده أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر. ومن فهم هذا فعليه الدليل وإقامة البرهان على زعمه، والظاهر من كلامه أنه يعني أن الكفر الأكبر مراتب متفاوتة بعضها أشد من بعض، فكفر من كفر بالله وملائكته واليوم الآخر أشد من كفر الحاكم بغير ما أنزل الله. ونحن نقول أيضا: إن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله أخف من كفر بالله وملائكته.. ولا يعني هذا أن الحاكم مسلم ,ان كفره كفر اصغر، كلا بل هو خارج عن الدين لتنحيته الشرع، وقد نقل ابن كثير الإجماع على هذا، فانظر البداية والنهاية (13/119)) ، وهو عقيدة أهل السنة والجماعة، ولكن تنزيله على من شرع من دون الله فجعل الحلال حراماً، والحرام حلالاً، وأوجب ما لم يوجبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما هو الحال في القوانين الوضعية لا شك أنه خطأ وسوء فهم.

وذلك أن الحكم بغير ما أنزل الله له صور كثيرة، فمنها ما يكون شركاً ومنها ما يكون معصية، وضابط ذلك أنه إن كان فيه شرك كالتشريع من دون الله، وتحريم الحلال أو تحليل الحرام، فإنه يكون كفراً أكبر مخرجاً عن ملة الإسلام، وأما إن كان الحكم بغير ما أنزل الله مجرد معصية كعدم تطبيق حكم من أحكام الله، أو التقصير في إنفاذ حد من حدود الله على مستحقه، أو التعدي والجور بعقاب من لا يستحق العقاب فإنه كفر دون كفر لا يكفر فاعله إلا أن يستحله وذلك كالمستحل لسائر المعاصي.

فحمل قول ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره وتعميمه على جميع هذه الصور بما فيها الصور الشركية باطل من وجوه:

* أولاً: إن معرفة دين الإسلام، ومعرفة التوحيد الذي جاءت به الرسل يأبى ذلك، فالتوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بما اختص به، والله سبحانه وتعالى قد اختص بأشياء منها العبادة ومنها الخلق والرزق والتدبير، ومنها الحكم والتشريع أيضاً، ولا يخالف العنبري في كون التشريع حقاً خالصاً لله تعالى، فإن تقرر ذلك أعني كون إفراد الله سبحانه بالتشريع من التوحيد، فإن ترك العمل به يكون كفراً، كما قرر ذلك شيخ الإسلام المجدد الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- حيث قال في أواخر كشف الشبهات: "لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما" ا.هـ.

وترك العمل بالتوحيد هو العمل بضده وهو الشرك الأكبر الذي هو مساواة العبد غير الله بالله فيما اختص به الله، فمن صرف شيئاً اختص الله به لغيره فقد أشرك شركاً أكبر، كالذي يعبد غير الله، أو يدعي على الغيب من دون الله، أو يشرع من دون الله، وهذه قاعدة مضطردة لا استثناء فيها، بل قد ذكر الشيخ الشنقيطي -رحمه الله- أن الإشراك في العبادة والإشراك في الحكم لهما نفس الحكم، ولا فرق بينهما حيث قال في أضوائه: "فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته" (أضواء البيان (7/162)).

وقال أيضا: "الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاما غير نظام الله، أو غير ما شرعه الله، وقانونا مخالفا لشرع الله من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزل الله على لسان رسوله.. من كان يفعل هذا ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه فهما واحد وكلاهما مشرك بالله، هذا اشرك به في عبادته وهذا أشرك به في حكمه كلهما سواء" (أشرطة الشيخ في تفسير براءة عند قوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً..}).

فهذا كلام الإمام الشنقيطي -رحمه الله- واضح جداً في الحكم بالشرك على المتبع لنظام وتشريع غير تشريع الله، لا كما يزعم العنبري أن إطلاق الحكم بالشرك على من نازع الله في تشريعه لا يستقيم على أصول أهل السنة، بل إن قوله هو الذي لا يستقيم على أصول أهل السنة، إذ كيف يكون التشريع حقاً خالصاً لله ثم لا يكون مشركاً من صرفه لغيره؟!

إذن فمعرفة أصل الإسلام وهو التوحيد، ومعرفة ما يضاده وهو الشرك يأبى هذا التعميم من العنبري وأمثاله لقول ابن عباس -رضي الله عنهما-، فيجب حمل قوله على ما لا يخالف هذا الأصل الأصيل والركن الركين، وذلك بحمله على الانحرافات الجزئية لا التشريعات العامة.

* ثانياً: أن العلماء قد أجمعوا على كفر من بدل الشرع وحكم بشريعة غير شريعة الإسلام، قال العلامة ابن كثير -رحمه الله-: "فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" (البداية والنهاية 13/128).

فابن كثير -رحمه الله- يذكر أن من حكم بشريعة منسوخة كفر بالإجماع، فمن باب أولى من حكم بشريعة ليس لها أصل وغير مستمدة من السماء كما هو الحال في الياسق، وكذلك القوانين الوضعية.

ولا يسعف العنبري صرخات الاستغاثة التي أطلقها في فصله الأخير وما نسجه من سخافات لتكذيب هذا الإجماع، حيث زعم أنه خاص بالتتار، فكلام ابن كثير بين أيدينا وهو أوضح من شمس النهار، فهو يقول: "فمن ترك"، "ومن" من صيغ العموم كما هو معلوم، وإنما ضرب ابن كثير رحمه الله مثلاً بالتتار بعد ذكر الحكم العام، فكيف وبأي لغة يزعم العنبري أن كلامه خاص بالتتار؟!.

فإن أبى العنبري إلا هذا الفهم السقيم فهل كفر الحاكم بالشرائع المنسوخة خاص بالتتار أيضاً؟ ولماذا لم ينص ابن كثير -رحمه الله- على هذا التخصيص ويطلق العمومات على غير وجهها؟

ثم إن تلبس التتار بنواقض أخرى غير هذا الناقض لا يصلح تقيداً لهذا الناقض، وأنه لا يكفر المستبدل للشريعة إلا إن تلبس بمثل ما تلبس به التتار من نواقض، فلا ندري ما وجه الربط وهذا التقييد!، فقد يتلبس الشخص بأكثر من ناقض، ويجتمع فيه أكثر من مكفر، ولو أردنا أن نجمع ما في أصحاب هذه القوانين من نواقض لقلنا:

  1. إنهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، لقولهم إنه لا تمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين.
  2. وإنهم يسوغون الكفر، لقولهم إن حرية الاعتقاد مطلقة، وأن الدولة تقوم بحماية شعائر الأديان.
  3. وإنهم يحلون الربا، ويحلون الزنا، ويحرمون الجهاد.
  4. وإنهم يثنون على هذه القوانين ويمدحونها ليل نهار، ويصفونها بأنها عادلة نزيهة، والله جل وعلا يقول إنها ظالمة.

وكل هذه بمفردها ناقض من نواقض الإسلام، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فكون التتار أكفر منهم ليس دليلاً على عدم كفرهم!.

وممن نقل الإجماع أيضاً الإمام إسحق بن راهويه، كما نقله عنه ابن عبدالبر في التمهيد (4/226) حيث قال: "وقد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، أو دفع شيئاً أنزله الله، أو قتل نبياً من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر".

فما هي يا عنبري صورة دفع شيء أنزله الله مع الإقرار به وأنت تزعم أنه لا يكفر إلا إذا جحد واستحل؟، لا شك أن هذه الصورة تتمثل بأن يرده فيقول: الربا ليس بحرام وهو مقر بحرمته، أو يجعل عقوبة الزنا السجن أو الغرامة المالية، وهو مقر بأنه الرجم أو الجلد، بخلاف من حكم بشريعة الله ثم لم يرجم الزاني المحصن لكونه قريباً له مثلاً، فهو لم يدفع حكم الله وإنما لم يطبقه في هذه الواقعة.

وممن نقل الإجماع أيضاً الشيخ عمر الأشقر -حفظه الله- حيث قال: "ومن خلال هذا التفصيل يتبين لنا أن صنفين من الناس وقعا في الكفر الذي لا شك فيه:

- الأول: الذين شرعوا غير ما أنزل الله، وهؤلاء هم الذين وضعوا القوانين المخالفة لشرع الله حيث يلزمون بها العباد، والإجماع على كفرهم لا شك" (الشريعة الإلهية(179)).

وممن نقل الإجماع أيضاً الشيخ محمود شاكر -رحمه الله- حيث يقول في تعليقه على الطبري (تفسير الطبري 10/348): "فلم يكن سؤالهم -يعني سؤال الإباضية لأبي مجلز عن تفسير الآية- عما احتج به مبتدعة زماننا من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار أحكام الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم، في تكفير القائل به والداعي إليه" ا.هـ.

فهذا كلامه صريح رحمه الله في حكم هذه القوانين، ولا عبرة بمناورة العنبري في كتابه (130-131) حيث جعل المخالفين له يستدلون بكلام الشيخ على من يقول بقوله، وإنما نحن نستدل به على أهل القوانين أنفسهم، وأما من يقول بقول العنبري من العلماء المعاصرين فعلى الرأس والعين، وكل يؤخذ من قوله ويرد، وأما إن كان من يستدل بأثر أبي مجلز يريد بذلك نصرة السلطان، أو تسويغ الحكم بهذه القوانين فحكمهم كما ذكر الشيخ محمود شاكر -رحمه الله-.

ولم يجرؤ العنبري على ذكر كلام الشيخ محمود كاملاً في كتابه، لأن فيه ما يرد عليه وعلى أمثاله، وأوهم أننا نستدل به للتشنيع على مخالفينا فقط!.

وبعد هذا التحقيق للإجماع نقول: إن الإجماع يخصص كتاب الله، ويخصص سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى أن يخصص به قول الصحابي (قال الشيخ سليمان بن ناصر بن العلوان -حفظه الله-: هذا إذا صح الإسناد إليه مع أننا نرى ضعفه كما سبق بيانه)، وإنما ينزل قول الصحابي، أو غيره من العلماء على ما لا يخالف الإجماع الذي نقله الأئمة، وذلك بحمله على الصور التي تقدم ذكرها، وأما من خالف من العلماء المعاصرين فالإجماع الذي سبقهم حجة عليهم، والحق أحق أن يتبع.

* ثالثاً: إننا نستخلص من كلام السلف في قولهم كفر دون كفر أنهم يريدون به الانحرافات الجزئية في التطبيق، وهذا واضح في أثر أبي مجلز -رحمه الله- عندما ناقش النفر الإباضية فقالوا له: أرأيت قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} {فأولئك هو الظالمون} {فأولئك هم الفاسقون} أحق هو؟ قال: نعم، فقالوا: فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ فقال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً.

والشاهد من قوله: "هو دينهم الذي يدينون به"، ومعلوم أن القانون والحكم دين كما قال جل وعلا في سورة يوسف: { كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} (يوسف:76)، والمقصود بدين الملك حكمه وقانونه. قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر" ( تفسير ابن كثير 2/467)، وقال القاسمي في تفسيره: "ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر ديناً" (محاسن التأويل 4/386).

فعلم أن قول أبي مجلز -رحمه الله-: "هو دينهم الذي يدينون به" أي حكمهم الذي يحكمون به، لأن الضمير في قوله "هو" يعود على الحكم بما أنزل الله. وعلمنا أن المقصود بقوله الانحرافات الجزئية لا التشريعات العامة.

وأيضاً قوله: "فإن هم تركوا شيئاً منه" يعلم منه أنه لا يمكن أن ينزل على من لا يطبق من الشريعة إلا ما جرى به العرف والعادة كأحكام الطلاق والنكاح وغيرها.

ويستأنس لهذا أن السلف لم يكن معروفاً في عصرهم هذا الاستبدال الشبه كامل لشريعة الله سبحانه، وإنما وجد في عصرهم الانحرافات والتجاوزات في تطبيق الأحكام.

فيجب أن يعلم في حق من تقال هذه الكلمة "كفر دون كفر"، وأن السلف أرادوا بها الرد على الخوارج الذي كفروا الأئمة بمجرد الظلم والجور مع التزامهم بالشريعة، واعترافهم بالذنب.

ومن خلال هذه الأوجه التي ذكرت يتبين لنا أن قول السلف "كفر دون كفر" حق، ولكن يجب أن ينزل على ما لا يخالف أصل الدين أو يخالف الإجماع، أو يخالف مراد السلف من هذه العبارة.

قال الشيخ بن جبرين -حفظه الله-: "وروي عن ابن عباس أنه قال: "كفر دون كفر" "وظلم دون ظلم" "وفسق دون فسق" ولعل ابن عباس رأى هذا فيمن حكم مرة واحدة في جميع أحكامه، أو في رجل مسلم يحكم بالشريعة لكن زينت له نفسه أن يحكم بغير الشرع لكن غير منتقص للشرع" (فوائد من شرح كتاب التوحيد (105)).

تحقيق قول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة

لقد شغب العنبري وأمثاله على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- زاعمين أنه لا فرق عنده بين القضايا المعينة والتشريع العام، والحق أن كلام شيخ الإسلام رحمه الله واضح وصريح في التفريق بينهما.

وقبل أن أبين ذلك لا بد أن نعلم أنه لا بد من الجمع بين أقوال شيخ الإسلام جميعها والتوفيق بينها، وإجراء أصول فهم الكلام عليها من تقديم المنطوق على المفهوم والمبين على الجمل، ونحو ذلك، وأي فهم يخالف هذه الأصول فهو فهم خاطئ ومردود.

ولقد فهم العنبري أن شيخ الإسلام لا يكفر إلا من استحل الحكم بغير شريعة الله، أو لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، واستدل بقوله رحمه الله في منهاج السنة (5/130): "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر" إلى أن قال: "فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار وإلا كانوا جهالاً".

واستدل بقوله كما في الفتاوى (3/267): "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: {ومن يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله" ا.هـ.

فشيخ الإسلام -رحمه الله- في هذين الموضعين نص على أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، أو لم يعتقد وجوبه، أو حلل الحرام، أو حرم الحلال، أو بدل الشرع مستحلاً كفر، وهذا أمر متفق عليه، ولكن ليس في كلامه أن من فعل هذا من غير استحلال أنه لا يكفر، فهؤلاء فهموا من كلام شيخ الإسلام أنه لا فرق عنده بين القضايا المعينة والتشريعات العامة، وأن حكمها عنده واحد، وهو أن فاعلها لا يكفر إلا بالاستحلال، وهذا الفهم خاطئ ومردود لأنه معارض لنصوص صريحة لشيخ الإسلام، فقد قال رحمه الله: "فإن الحاكم إذا كان ديناً لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالماً لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار.

وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكماً عاماً في دين المسلمين، فجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين" (35/388) ا.هـ.

فهذا كلام شيخ الإسلام صريح في التفريق بين القضية المعينة والتشريع العام، فمن فهم غير هذا فهو مخطئ وكلامه مردود، فيجب تقديم هذا المنطوق على ما قد يفهم من كلامه في المواضع الأخرى.

وفرق شيخ الإسلام أيضاً في موضع آخر حيث يقول في المنهاج (5/131): "فمن لم يلتزم بحكم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزماً لحكم الله باطناً لكنه عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة".

فانظر كيف جعل الذي بمنزلة غيره من العصاة هو الذي يلتزم حكم الله باطناً وظاهراً فهل محكموا القوانين الوضعية ملتزمون بحكم الله ظاهراً حتى يقال إنهم كالعصاة وإن عملهم معصية لا يكفرون إلا باستحلالها؟!.

بل إليك هذا النص الصريح من شيخ الإسلام في حكم المشرعين حيث يقول في رسالته التسعينية: "والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك ديناً فقد جعل لله نداً ولرسوله نظيراً بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله نداً، أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب وهو ممن قيل فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}" أ.هـ (أنظر الفتاوى الكبرى 6/339).

فانظر كيف جعلهم بمنزلة المرتدين والمشركين، ولم يفصل ويفرق بين ما استحل ولم يستحل وبهذا نعلم ويتبين لنا قول شيخ الإسلام في هذه القضية.

ولم يتطرق العنبري بطبيعة الحال لكلام شيخ الإسلام في الفتاوى في تفريقه بين القضية المعينة والتشريع العام لأنه غير قابل للتأويل والمهاترة علماً بأن المؤلفين الذين رد عليهم العنبري في كتابه جعلوا هذا القول من شيخ الإسلام عمدة كلامهم وقولهم.

ومما يستدل به العنبري (79) من كلام شيخ الإسلام ما جاء في الفتاوى (28/343) حيث قال رحمه الله: "واما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة.. أو يشهد الزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدي على رعيته، أو يتعزى بعزاء الجاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من المحرمات".

هكذا نقله العنبري مبتورا فقطع المبتدأ عن خبره، ولو أكمل لتبين من المقصود بالذي يحكم بغير ما أنزل الله وأن المقصود به القاضي حيث قال شيخ الإسلام بعد ذلك: "فهؤلاء يعاقبون تعزيراً وتنكيلاً وتأديباً، بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة الذنب في الناس وقلته" فمن يا ترى الذي يعاقب ويعزر ويؤدب بقدر ما يراه الوالي؟!. ومن المعلوم أيضا أن القاضي لا يملك تغيير الأحكام وتبديلها وإنما عمله هو التطبيق فقط.

ومن هذا المثال تعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية أو غيره من العلماء قد يطلق القول بأن الحكم بغير ما أنزل الله معصية ولكنه يريد به الخلل في التطبيق لا تغيير الشرع وتبديله.

بعض أقوال العلماء في التفريق بين القضايا المعينة والتشريع العام

لقد أتعب العنبري نفسه في محاولة إقناع القراء بأن القول بالتفريق بين القضية المعينة والتشريع العام قول لا أصل له، ولم يقل به أحد من أهل العلم، وسوف أذكر في هذا الفصل بعض أقوالهم الصريحة في ذلك، ليقف القارئ على شدة استغفال العنبري للقراء، أو سعة جهله بأقوال العلماء.

* أولاً: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وقد تقدم قوله.

* ثانياً: العلامة ابن القيم -رحمه الله- ففي كلامه ما يشير إلى هذا التفريق حيث قال في مدارج السالكين (1/337): "والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصياناً مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كبر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه بأنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين" ا.هـ.

فتأمل قوله "في هذه الواقعة" فإنه يشير إلى أنه المقصود بهذا الحكم الانحراف في التطبيق لا التشريع العام الذي يندرج فيه جميع القضايا والوقائع، فالمشرع لا يشرع لواقعة واحدة أو اثنتين وإنما يشرع تشريعاً عاماً ملزماً في جميع القضايا.

وأما قول ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الصلاة: "وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعاً" وقوله في نفس الكتاب: "ومنه ما لا يضاد الإيمان كالحكم بغير ما أنزل الله.." ونحو ذلك، فقد بين ابن القيم -رحمه الله- في نفس الكتاب أن المقصود به ذلك الحاكم المطبق للشريعة الملتزم بها حيث قال: "وإذا حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفراً، وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام" (الصلاة ()) ا.هـ.

فهذا كلامه واضح، فهل يقال لمن يحكم بالقوانين الوضعية الفرنسية والبريطانية أنه ملتزم للإسلام وشرائعه؟! أم يقال أنه متجرد عن الإسلام منحل عن شرائعه؟!

* ثالثاً: العلامة ابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية، ففي كلامه ما يشير إلى التفريق بين القضية المعينة والتشريع العام، حيث قال: "وهنا أمر يجب التفطن له وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه أنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافراً كفراً مجازياً أو كفراً أصغر" (شرح الطحاوية 323-324) ا.هـ.

والشاهد منه قوله "في هذه الواقعة" فهو يشير إلى الفرق بين القضايا المعينة والتشريع العام كما تقدم من قول ابن القيم، فلو كان الحكم واحداً ولا فرق بين المشرع تشريعاً عاماً وبين الحاكم في قضية معينة لما كان لقول ابن القيم وقول شارح الطحاوية "في هذه الواقعة" فائدة، وكلامهما يصان عن ذلك.

وأما العنبري فيريد أن تصاغ عبارات العلماء على مزاجه حيث يقول في كتابه (128): "ولو أراد ما زعموه لقال مثلاً: وعلمه في واقعة واحدة وعدل عنه، أو قال: علمه في واقعة معينة".

فانظر إلى هذا التحكم العجيب، ثم نقول للعنبري قد نص شيخ الإسلام على القضية المعينة كما مضى، ونص الشيخ ابن جبرين على المرة الواحدة كما مضى، ونص عليها الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن عثيمين كما سيأتي، فهل ستسلم بذلك فينتقض مطلبك العزيز؟.

* رابعاً: الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله- قال في رسالته المشهورة تحكيم القوانين: "وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذي لا يخرج من الملة فقد تقدم تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لقول الله عز وجل {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قد شمل ذلك القسم وذلك في قوله رضي الله عنه في الآية: "كفر دون كفر" وقوله أيضاً: "ليس بالكفر الذي يذهبون إليه"، وذلك أن تحمله شهوته على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى، وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر.." (تحكيم القوانين (7)).

وقال كما في الفتاوى (12/280): "وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاد أنه عاص وأن حكم الله هو الحق فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل، ففرق بين المقرر والمثبت والمرجع، جعلوه هو المرجع فهذا كفر ناقل عن الملة" ا.هـ.

وقال أيضاً: "عبادة الطاعة أقسام: إن أقر على نفسه أنه عاص ومذنب وآثر شهوته فهو كسائر المعاصي في أنه لا يصل إلى الكفر.

أما إن كان لا يدري فهذا فيه تفصيل، إن كان أخلد إلى أرض البطالة فهذا ملوم، الواجب سؤال أهل الذكر إذا لم يعلم، وإذا علم أنه خلاف قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس مذنباً فهذا شرك أكبر مثل القوانين الوضعية المتخذة في المحاكم من هذا الباب، جعلوه مثل الرسول تكتب به الصكوك أن الحق لفلان والحق لفلان، والقانون الذي جاء من فرنسا يجعل مثل رسول الله، فإذا كان هذا لو كان العلماء فكيف الذي جاء من الشياطين وأمريكا وفرنسا؟

وإذا كان من باب الحكم فهو أعظم، ما فيه حكم إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فمن اتخذ مطاعاً مع الله فقد أشرك في الرسالة والألوهية، وهذان الواحد منهما كفر، بخلاف المسألة الواحدة فإنها ليست مثل الذي مصمم ومحكم فإن هذا مرتد وهو أغلظ كفراً من اليهودي والنصراني" (الفتاوى 12/280) ا.هـ.

بل قال رحمه الله: "فلعلك أن تقول لو قال من حكم القانون أنا اعتقد أنه باطل فهذا لا أثر له بل هو عزل للشرع كما لو قال الواحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطل" (الفتاوى 6/189) ا.هـ.

فانظر إلى هذا الكلام ما أصرحه وما أوضحه، فنعوذ بالله من عمي البصر والبصيرة، وأما ما زعمه العنبري من أن الشيخ ابن جبرين حدثه أن للشيخ ابن إبراهيم فتوى أخرى غير هذه، فقد أنكر الشيخ هذه الدعوى وكذبها في ورقة مكتوبة بخطه حفظه الله، فنعوذ بالله من الخزي ومن سيء الأخلاق.

ثم أطلعني بعض الأخوة على فتوى للشيخ محمد بن ابراهيم -رحمه الله- وأخبرني أنهم يستدلون بها على أن الشيخ لا يكفر من حكم بالقوانين حتى يستحل، والفتوى في (1/80) ومما جاء فيها: "والتي من حكم بها أو حاكم إليها معتقدا صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة".

والجواب على هذا من وجهين:

الأول: أن يجمع بينها وبين الفتاوى السابقة، والجمع بين ذلك سهل وواضح، فما أطلقه هنا قيده في الفتاوى الأخرى السابقة، وبالمسألة الواحدة وبالمرة ونحوها.

فيقال: وإن فعل ذلك "في القضية" أو "في المرة ونحوها" أو "في المسألة الواحدة" بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة.

أما "المصمم المحكم" أو "من جعل قوانين بترتيب وتخضيع" أو "جعل لها مراجع ومستندات ومحاكم مفتحة الأبواب" فهذا "أغلظ كفرا من اليهودي والنصراني"، "وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل" "ولو قال أنا أعتقد أنه باطل" "فأي كفر فوق هذا الكفر".

الثاني: إن عجزوا عن هذا الجمع الواضح، وأوجبوا التعارض بين هذه الفتاوى فلا أقل من الترجيح، وفتاوى الشيخ في كون القوانين كفرا أكبر سواء استحلها أو لم يستحلها أكثر، وهو المشهور عنه، وهو الذي ينسبه إليه تلاميذه كالشيخ ابن باز والشيخ ابن جبرين -حفظهما الله- فلا يترك كله إلى هذه الفتوى مع سهولة الجمع كما تقدم.

* خامساً: الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله- وقد نص على التفريق في أكثر من موضع في كتبه وفتاواه، واقتصر على بعضها للاختصار.

قال حفظه الله في فقه العبادات (60) مجيباً على السؤال عن صفة الحكم بغير ما أنزل الله: "الحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين:

- القسم الأول: أن يبطل حكم الله ليحل محله حكم آخر طاغوتي، بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس، ويجعل بدله حكم آخر من وضع البشر كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس، ويحلون محلها القوانين الوضعية، فهذا لا شك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها، وهو كفر مخرج عن الملة، لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق حيث شرع لعباد الله ما لم يأذن به الله تعالى ذلك شركاً في قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله} (الشورى:21).

- القسم الثاني: أن تبقى أحكام الله عز وجل على ما هي عليه، وتكون السلطة لها، ويكون الحكم منوطاً بها، ولكن يأتي حاكم من الحكام فيحكم بغير ما تقتضيه هذه الأحكام، أي يحكم بغير ما أنزل الله، فهذا له ثلاث حالات.. الخ".

فانظر كيف فصل الشيخ في القسم الثاني ولم يفصل في القسم الأول.

وبمثل هذا الوضوح، وبمثل هذه الصراحة جوابه عن سؤال في هذا الموضوع ونص السؤال:

هل هناك فرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي وبين المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً؟

فأجاب فضيلته: "نعم هناك فرق، فإن المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً لا يتأتى فيها التقسيم السابق، وإنما هي من القسم الأول فقط، لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه" (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ 2/144).

ولقد كذب العنبري على الشيخ ابن عثيمين كما كذب على الشيخ ابن جبرين فزعم أن الشيخ وافق الشيخ الألباني في شريط فتنة التكفير مع أن الشيخ قد نص في نفس الشريط على مخالفة الشيخ الألباني في اشتراط الاعتقاد فقال: ".. ولكننا قد نخالفه في مسألة أنه لا يحكم بكفرهم إلا إذا اعتقدوا حل ذلك، هذه المسألة تحتاج إلى نظر لأننا نقول: من اعتقد حل ذلك حتى لو حكم بحكم الله وهو يعتقد أن حكم غير الله أولى فهو كافر كفر عقيدة.

لكن كلامنا على العمل، وفي ظني أنه لا يمكن لأحد أن يطبق قانوناً مخالفاً للشرع يحكم فيه بعباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من قانون الشرع، هذا هو الظاهر، وإلا فما الذي حمله على ذلك؟ قد يكون الذي يحمله على ذلك خوف من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه فيكون هنا مداهناً لهم، فحينئذ نقول هذا كافر كالمداهن في بقية المعاصي" (هذا الشريط موجود ومتداول ومطبوع أيضاً وعليه هذا التعليق) ا.هـ.

فكيف يزعم العنبري أنه قد وافق الشيخ الألباني؟ أليس هذا هو الكذب الصريح.

* سادساً: فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله حيث قال في كتاب التوحيد (39):

"قال الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، في هذه الآية الكريمة أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر، وهذا الكفر تارة يكون كفراً أكبر ينقل عن الملة، وتارة يكون كفراً أصغر لا يخرج عن الملة، وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه، أو استهان بحكم الله واعتقد أن غيره من القوانين والنظم الوضعية أحسن منه وأنه لا يصلح لهذا الزمان وأراد بالحكم بغير ما أنزل الله استرضاء الكفار والمنافقين فهذا كفر أكبر.

وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافراً كفراً أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور. وهذا في الحكم في القضية الخاصة، وأما الحكم في القضايا العامة فإنه يختلف.. الخ".

فهذا كلامه -وفقه الله- من أوضح ما يكون في التفريق بين القضية الخاصة والقضايا العامة، ثم استدل لهذا التفريق بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم كما نستدل به من أقوالهما.

* سابعاً: فضيلة الشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان -حفظه الله- حيث سئل: تارك الحكم بما أنزل الله إذا جعل القضاء عامة بالقوانين الوضعية هل يكفر؟ وهل يفرق بينه وبين من يقضي بالشرع ثم يحكم في بعض القضايا بما يخالف الشرع لهوى أو رشوة ونحو ذلك؟

فأجاب فضيلته: أي نعم التفرقة واجبة، فرق بين من نبذ حكم الله جل وعلا وأطرحه واستعاض به حكم القوانين وحكم الرجال فإن يكون كفراً مخرجا من الملة الإسلامية، وأما من كان ملتزما بالدين الإسلامي إلا أنه عاص ظالم بحيث أنه يتبع هواه في بعض الأحكام ويتبع مصلحة دنيوية مع إقراره بأنه ظالم في هذا فإن هذا لا يكون كفرا مخرجا من الملة. ومن يرى الحكم بالقوانين مثل الحكم في الشرع ويستحله فإنه يكفر أيضا كفرا مخرجا من الملة ولو في قضية واحدة" (مجلة المشكاة العدد (4) ص (247)).

* ثامنا: فضيلة الشيخ العلامة عبدالرزاق عفيفي -رحمه الله- حيث قال في رسالة الحكم بغير ما أنزل الله (شبهات حول السنة ورسالة الحكم بغير ما أنزل الله (63-65)) حالات الحاكمين بغير ما أنزل الله:

الأولى: من لم يبذل جهده في ذلك، ولم يسأل أهل العلم، وعبد الله على غير بصيرة أو حكم بين الناس في خصومة، فهو آثم ضال، مستحق العذاب إن لم يتب ويتغمده الله برحمته، قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنده مسؤولا}.

الثانية: وكذا من علم الحق ورضي بحكم الله، لكن غلبه هواه أحيانا فعمل في نفسه، أو حكم بين الناس -في بعض المسائل أو القضايا- على خلاف ما علمه من الشرع لعصبية أو لرشوة -مثلا- فهو آثم، لكنه غير كافر كفرا يخرج من الإسلام، إذا كان معترفا بأنه أساء، ولم ينتقص شرع الله، ولم يسيء الظن به، بل يحز في نفسه ما صدر منه، ويرى أن الخير والصلاح في العمل بحكم الله تعالى.

روى الحاكم عن بريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: [قاضيان في النار، وقاض في الجنة: قاض عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمدا أو قضى بغير علم، فهما في النار}.

الثالثة: من كان منتسبا للإسلام، عالما بأحكامه، ثم وضع للناس أحكاما، وهيأ لهم نظما، ليعملوا بها ويتحاكموا إليها، وهو يعلم أنها تخالف أحكام الإسلام، فهو كافر، خارج، من ملة الإسلام.

وكذا الحكم فيمن أمر بتشكيل لجنة أو لجان لذلك، ومن أمر الناس بالتحاكم إلى تلك النظم والقوانين أو حملهم على التحاكم إليها وهو يعلم أنها مخالفة لشريعة الإسلام.

وكذا من يتولى الحكم بها، وطبقها في القضايا، ومن أطاعهم في التحاكم إليها باختياره، مع علمه بمخالفتها للإسلام.

فجميع هؤلاء شركاء في الإعراض عن حكم الله.

لكن بعضهم يضع تشريعا يضاهي به تشريع الإسلام ويناقضه على علم منه وبينه.

وبعضهم بالأمر بتطبيقه، أو حمل الأمة على العمل به، أو ولي الحكم به بين الناس أو نفذ الحكم بمقتضاه.

وبعضهم بطاعة الولاة والرضا بما شرعوا لهم ما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطانا.

فكلهم قد اتبع هواه بغير هدى من الله، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، وكانوا شركاء في الزيغ، والإلحاد، والكفر، والطغيان ولا ينفعهم علمهم بشرع الله، واعتقادهم ما فيه، مع إعراضهم عنه، وتجافيهم لأحكامه، بتشريع من عند أنفسهم، وتطبيقه، والتحاكم إليه، كما لم ينفع إبليس علمه بالحق، واعتقاده اياه، مع إعراضه عنه، وعدم الاستسلام والانقياد إليه".

وإلى هنا أكون قد نقلت بعض أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين الصريحة في التفريق بين الحكم في الواقعة المعينة وبين التشريع العام في جميع القضايا والوقائع فلا أدري كيف فات هذا على "المتعمق في البحث، الممعن في الفحص، صاحب المطلب العزيز الفريد (خالد بن علي العنبري)".

بعض أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين في القوانين الوضعية وحكامها

وفي هذا الفصل أذكر بعض أقوال أهل العلم في حكمهم على التشريعات العامة والقوانين الوضعية حيث ذكروا لها حكماً من غير تفصيل فيها، وإنما التفصيل في غيرها أعني الانحرافات والتجاوزات في التطبيق، وقد مر معنا طائفة من أقوال شيخ الإسلام وابن القيم وشارح الطحاوية، والشيخ محمد ابن إبراهيم، والشيخ العثيمين، والشيخ الفوزان، والشيخ الغنيمان، والشيخ عبدالرزاق عفيفي، وإليك الأقوال الأخرى:

* أولاً: الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وقد مر معنا نقله للإجماع في تكفير المستبدلين للشريعة، وقال أيضاً في تفسيره قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} (المائدة:50): "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير" (تفسير ابن كثير 2/64).

* ثانياً: العلامة الشنقيطي -رحمه الله-، وقد ذكر هذه القوانين وحكمها في تفسيره في أكثر من موضع منها قوله: "وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله على بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم" (أضواء البيان 4/92).

وقد تقدم قوله: "والإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله أو غير ما شرعه الله، وقانونا مخالفا لشرع الله من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزل الله على لسان رسوله.. ، من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه فهما واحد وكلاهما مشرك بالله: هذا أشرم بع في عباداته، وهذا أشرك به في حكمه، والإشراك به في عبادته والإشراك به في حكمه كلهما سواء" (أشرطة الشيخ من تفسير قوله تعالى: {اتخذوا أخبارهم ورهبانهم أرباباً..}).

وهذه النصوص الخاصة والصريحة من الشيخ في القوانين الوضعية تقضي على ما قد يفهم من النصوص الأخرى كما في قوله في الأضواء (7/162): "الدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه".

وقوله أيضا (2/104): "{ومن لم يحكم بما أنزل الله} معارضة للرسل وإبطالا لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج عن الملة، {ومن لم يحكم بما أنزل الله} معتقدا أنه مرتكب حراما فاعل قبيحا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة".

فأما الأول فنص على أن من اعتقد كون القوانين مثل أو خيرا من حكم الله أنه يكفر بلا نزاع وهذا لا إشكال فيه، أما ما قد يفهم منه أنه إن لم يعتقد كون القوانين مثل أو خيرا من حكم الله أنه لا يكفر فهذا الفهم مدفوع بما تقدم، لأن الشيخ -رحمه الله- جعل المتبع للقوانين كالعابد للصنم والساجد للوثن سواء بسواء،. ولا فرق بينها ولا حتى بوجه من الوجوه، ومن المعلوم أن العابد للوثن والساجد للصنم كافر استحل أو لم يستحل جحد أو لم يجحد. فكذلك القوانين إذا.

وإنما ينص بعض العلماء عند ذكره للقوانين على الاستحلال لأن هذا العمل يعتبر استحلالا، أو أن الظاهر أن فاعله مستحل. كما تقدم من كلام الشيخ ابن جبرين والشيخ ابن عثيمين -حفظهما الله- فهي كاشفة لا مقيدة.

وأما النقل الثاني (2/104) فالقوانين داخلة في القسم الأول لأنها معارضة للرسل وإبطال لأحكام الله. وأما قوله في القسم الثاني أنه "إن كان معتقدا أنه مرتكب حراما فاعل قبيحا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة" فهذا عام في الحكم بغير ما أنزل الله ويتخصص بما تقدم حيث خص فيها القوانين الوضعية، وإنما يحمل القول العام على القضايا المعينة لا التشريعات العامة، وبهذا يستقيم الاستدلال بكلام الشيخ ولا يتناقض.

* ثالثا: العلامة الشيخ محمد حامد الفقي -رحمه الله- قال في تعليقه على فتح المجيد (243): "ويدخل في ذلك بلا شك -يعني معنى الطاغوت- الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام وشرائعه من كل ما وضعه الإنسان ليحكم به في الدماء والفروج والأموال، وليبطل بها شرائع الله من إقامة الحدود، وتحريم الربا والزنا والخمر ونحو ذلك، مما أخذت هذه القوانين تحللها وتحرمها بنفوذها ومنفذيها، والقوانين نفسها طواغيت، وواضعوها ومروجوها طواغيت، وأمثالها من كل كتاب وضعه العقل البشري ليصرف عن الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إما قصداً أو عن غير قصد من واضعه فهو طاغوت".

وقال في نفس الكتاب (348) معلقاً على قول ابن كثير الذي تقدم: "ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها".

* رابعاً: العلامة الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- قال في عمدة التفسير (4/173-174) معلقاً على قول ابن كثير الذي تقدم: "أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير -في القرن الثامن- لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان! ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر! إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفاً: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمان سريعاً فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً منهم لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكادتندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق..".

إلى أن قال: "إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائناً من كان في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها، فليحذر امرؤ نفسه وكل امرئ حسيب نفسه" ا.هـ.

* خامسا: العلامة ابن قاسم رحمه الله قال في حاشية الأصول الثلاثة (96): "كمن يحكم بقوانين الجاهلية والقوانين الدولية، بل جميع من حكم بغير ما أنزل الله سواء كان بالقوانين أو بشيء مخترع وهو ليس من الشرع أو بلحوظ في الحكم فهو طاغوت من أكبر الطواغيت".

فهذه بعض أقوال العلماء في القوانين الوضعية، ومن أراد الاستزادة فليراجع ما ألف في هذا الموضوع ككتاب "الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية" للشيخ عمر الأشقر، ورسالة "إن الله هو الحكم" للشيخ محمد بن شاكر الشريف، ورسالة "حكم الله وما ينافيه" للشيخ عبدالعزيز ابن محمد العبداللطيف وغيرها، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

بيان معنى القضية المعينة ومعنى التشريع العام

وهنا لا بد من بيان معنى القضية المعينة ومعنى التشريع العام، لأن كثيراً من الناس ومنهم العنبري يظن أن معنى الحكم بغير ما أنزل الله في القضية المعينة أنه تبديل حكم واحد من أحكام الله فقط، وأن معنى التشريع العام هو الاستبدال الكامل للشريعة، وهذا فهم مغلوط.

فالمقصود بالقضية المعينة هو عدم تطبيق حكم الله فيها، وليس تبديل الحكم، فمثلاً هو يحكم بالشرع ويرجم الزاني المحصن ويجلد البكر، ولكنه لم يرجم فلاناً من الناس بعد أن ثبت زناه إما لرشوة أو لكون الزاني قريباً له، وذلك كأن يطعن في عدالة الشهود، ونحو ذلك.

وأما التشريع العام فهو تبديل حكم الله ولو في حد من الحدود، أو مسألة من المسائل، ووضع حكم آخر وتشريع آخر تنتظم فيه جميع القضايا، كأن يكون حكم الزاني السجن أو الغرامة المالية ونحو ذلك.

وإنما كفر من بدل ولو حكماً واحداً من الشرع، لأن المشرع من دون الله إنما كفر لكونه أشرك بالله ونازعه في حق من حقوقه الخالصة، ويستوي في ذلك تبديله لحكم واحد أو أكثر كمن ذبح لغير الله يكفر ولو فعله مرة واحدة غير أن الكفر دركات، وبعض الكفر أشد من بعض وبعض الناس أكفر من بعض، قال تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} (التوبة:37).

ونتج عن هذا الفهم الخاطئ لمعنى القضية المعينة أنهم يقولون: إن قولكم في قضية معينة لا ضابط له، فلو حكم بأكثر من قضية متى يكون كافراً؟ وهم في هذا قد جمعوا بين سوء الفهم لأقوال مخالفيهم وبين مذهب آخر غريب وهو أنهم يريدون حداً عددياً للمعاصي يكفر به الإنسان، والمعصية عند أهل السنة والجماعة لا يكفر فاعلها وإن تكررت منه، فليس هناك عدد معين من الزنا يكفر به الزاني، وكذا السارق وكذا شارب الخمر، وكذلك أيضاً عدم تطبيق حكم الله في قضية معينة معصية وليس كفراً، فسواء فعله مرة أو مرتين أو أكثر ما لم يستحل ذلك. ولقد تجاوز العنبري حدوده، وأمعن في بهتانه حيث ألزمنا بتكفير حكام بني أمية وبني العباس، بل معاوية -رضي الله عنه- والرد عليه أن نقول:

أولاً: تقدم أن مقصودنا من القضية المعينة هو استبدال الحكم لا الانحرافات والتجاوزات في التطبيق، فلا يلزمنا هذا اللازم السخيف الظالم، فبنو أمية وبنو العباس لم يبدلوا حكماً من أحكام الله، ولم يشرعوا من دون الله، إنما كان يقع من بعضهم تجاوزات في القضاء والمحاكمات.

ثانياً: زعم العنبري أن معاوية رضي الله عنه وهو الصحابي الجليل، وخال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين، قد جار في حكمه وظلم، وأنه لما عهد لابنه يزيد أنه بهذا قد جعل الحكم موروثاً، وهذا طعن في هذا الصحابي الجليل واتهام له، وأنه ممن لم يحكم بما أنزل الله على مذهبه الباطل.

ونحن ولله الحمد نبرئ معاوية -رضي الله عنه- مما يتهمه به العنبري والروافض ومن أخذ مأخذهم وتأثر بشبهاتهم، ونقول إن عهد معاوية لابنه يزيد بالخلافة مع وجود الصحابة ومن هو خير من يزيد له اعتبارات سياسية وأمنية، وأنه فعل ما يسوغ له من العهد، وما أدى به إليه اجتهاده حيث كان الوضع مضطرباً فلا بد من ولاية قوية قادرة على القضاء على ما قد يحدث من اختلاف لا سيماً وأن جيش الإسلام إذ ذاك وهو جيش الشام لم يكن يقبل بغير بني أمية والله أعلم (قال الشيخ سليمان بن ناصر العلوان -حفظه الله-: "والذي يظهر في فعل معاوية -رضي الله عنه- أنه فعله اجتهادا، والمجتهد لا يخلو من الأجر والأجرين، على أن هذا العمل ليس حكما بغير ما أنزل الله، إذ أنه لم يغير حكم الله في الخلافة، ولم يجعل هذا شرعا للناس، ولهذا لم يقل أحد من أئمة السلف في القديم والحديث عن معاوية بأنه حكم بغير ما أنزل الله. والله أعلم").

فعلى العنبري أن يسارع في رجوعه عن اتهام معاوية -رضي الله عنه- وأن يتبرأ من هذا الكلام، وأيضاً فليخبرنا كيف فهم من عهد معاوية -رضي الله عنه- لابنه يزيد أنه قد جعل الحكم موروثاً؟!.

أهم ما أورده العنبري من شبه والرد عليها

سوف أذكر في هذا الفصل أهم الشبه التي يوردها العنبري حول هذه القضية، ولم أقصد تتبع كل ما في كتاب العنبري من أخطاء وزلات فالكاتب ملئ بذلك وإنما أقتصر على أهمها خشية الإطالة..

* أولاً: ذكر العنبري في كتابه (93) أن المبتدع والمشرع للقوانين مثلان لا يختلفان، وما يقال في هذا يقال في هذا، وذكر أن الحق الذي لا معدل عنه ولا محيص أن ينزل الحاكم بغير ما أنزل رب العالمين منزلة المبتدع في الدين.

والجواب على هذه الشبهة أن نقول:

يا عنبري.. قد جعلت البدعة قسمين: مكفرة تخرج صاحبها عن الإسلام، وغير مكفرة، فأخبرنا عن تشريع القوانين الوضعية من أي القسمين هو؟

وأخبرنا عن جملة ذكرتها في كتابك نقلتها عن الشاطبي رحمه الله ما معناها؟ وهذه الجملة هي قوله: "وهذا إن كان مقصوداً للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين" ا.هـ، فما هو هذا الشيء الذي إن كان مقصوداً للمبتدع كفر؟.

وسأجيب عن هذين السؤالين:

أما السؤال الأول وهو: هل تشريع القوانين الوضعية له حكم البدعة المكفرة أو غير المكفرة؟

فالجواب: أنه من البدع المكفرة ولا شك التي تخرج صاحبها عن الإسلام، وقد ذكر العنبري تعريفاً للبدعة المكفرة نقله عن الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- من كتاب أعلام السنة المنشورة ولكنه تعريف مختصر وهو: "من أنكر أمراً مجمعاً عليه متواتراً في الشرع معلوماً من الدين بالضرورة لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله" ا.هـ، ثم زعم العنبري أنه لا ينطبق على الحاكم بغير ما أنزل الله إلا إذا جحد واستحل.

وسأذكر تعريفاً أوسع من هذا للبدعة وللشيخ الحكمي نفسه ثم ننظر هل ينطبق على مشرع القوانين، أم أن تشريع القوانين سوف يكون بدعة غير مكفرة كما يوهم العنبري؟.

قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي -رحمه الله- في معارج القبول (1228-1229): "فضابط البدعة المكفرة من أنكر أمراً مجمعاً عليه متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة: من جحود مفروض، أو فرض ما لم يفرض، أو إحلال محرم، أو تحريم حلال، أو اعتقاد ما ينزه الله ورسوله وكتابه عنه من نفي وإثبات، لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله صلى الله عليه وسلم كبدعة الجهمية..".

إلى أن قال: "ولكن هؤلاء منهم من علم أن عين قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله فيه فهذا مقطوع بكفره، بل هو أجنبي عن الدين من أعدى عدو له، وآخرون مغرورون ملبس عليهم فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم وإلزامهم بها".

وأما القسم الثاني: البدع التي ليست بمكفرة وهي ما لم يلزم منه تكذيب بالكتاب ولا بشيء مما أرسل الله به رسله كبدع المروانية التي أنكرها عليهم فضلاء الصحابة.. الخ.

فهذا التقسيم من الشيخ الحكمي -رحمه الله-، وهذا التفصيل في البدع المكفرة يبين لنا في أي موضع سوف نضع المشرعين للقوانين وبأي حكم سوف نحكم عليهم، فهل القوانين الوضعية إلا إحلال محرم أو تحريم حلال أو فرض ما لم يفرض؟!

وأما الجواب عن السؤال الثاني فأقول: إن العلماء لم يطلقوا القول بتكفير المبتدع وإن كان مشرعاً لأنه لم يقصد التشريع ومحاداة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما قد يكون له قصد حسن، وهو غالباً متأول مستدل بأن البدع تنقسم إلى حسنة وسيئة -كما يزعم-، ولهذا القصد وهذا التأويل لم يطلق العلماء القول بتكفير المبتدع، وهذا هو معنى قول الشاطبي الآنف الذي ذكره العنبري وهو لا يعرف معناه.

فالإمام الشاطبي -رحمه الله- يذكر أن المبتدع معاند للشرع ومشاق له ومستدرك عليه، وأن هذا الشقاق والعناد والاستدراك إن كان مقصوداً للمبتدع لكان كفراً بالشريعة والشارع، وذلك لأن معاندة الشرع ومشاقاته والاستدراك عليه كفر أكبر.

وإن كان غير مقصود كأن يكون فعله بتأويل فاسد أو برأي غالط فهو ضلال مبين وليس كفراً لوجود المانع وهو التأويل والشبهة.

ولزيادة البيان حول هذا إليك ما قال الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام (2/544): "إن كل بدعة وإن قلت فهي تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الإنفراد، وقد يكون ملحقاً بما هو مشروع فيكون قادحاً في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامداً لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر، فلا فرق بين ما قل منه وما كثر، فمن فعل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه، أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر" ا.هـ.

فانظر إلى هذا التوضيح البديع من العلامة الشاطبي -رحمه الله-، ونظراً لأهمية معرفة قصد المبتدع فقد نص عليه الشاطبي في تعريف البدعة حيث قال: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه".

فهل يكون للمشرع نفس هذا الحكم مع اختلاف المقصد ؟!.. فالمبتدع غالباً يقصد التقرب إلى الله والتعبد له، وأما المشرع المستبدل للشريعة فليس له هذا القصد وبهذا تزول هذه الشبهة ونعرف ما هو الفرق بين المبتدع والمشرع، وهل التشريع بالمعنى الذي عليه القوانين الوضعية من البدع المكفرة أمر لا؟ -إن قلنا أن المشرع مبتدع-.

* ثانياً: ومما يستدل به العنبري وأمثاله قصة النجاشي -رحمه الله- فزعم العنبري أن النجاشي قد حكم بغير ما أنزل الله ولم يكفره النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول: يلزم من قولكم تكفير هذا العبد الصالح.

والجواب عن هذه الشبهة أن نقول: نحن لا نكفر النجاشي -رحمه الله-، ولكن هل تحكمون عليه أنتم أنه ظالم فاسق؟.. فهذا يلزم من استدلالكم به علينا، فأنتم تقولون أن الحاكم بغير ما أنزل الله ظالم وفاسق، فهل النجاشي كذلك؟.. فإما أن تلتزموا بهذا أو تبرئونه من الظلم والفسق كما نبرئه نحن من الكفر لأنه معذور بذلك، ووجه ذلك من أمور:

-الأمر الأول: أن النجاشي كان عاجزاً عن إقامة حكم الله في الحبشة، وتكليفه بهذا وهو خارج عن طاقته ووسعه مخالف لشريعة الله التي رفعت التكليف إن كان لا يطاق قال تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} (البقرة:288)، والعنبري نفسه قد نقل قول شيخ الإسلام في كون النجاشي عاجزاً عن إقامة حكم الله، قال ابن تيمية رحمه الله: "ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن.. والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن فإن قومه لا يقرون على ذلك" (منهاج السنة 5/112-113) ا.هـ.

فكيف يقاس من هذه حالة على من أكثر شعبة مسلمون، ويطالبونه ليل نهار بتطبيق الشريعة وقد توفرت لديه كافة الإمكانيات؟.. لا شك أنه قياس ظالم جائر.

-الأمر الثاني: إن النجاشي -رحمه الله- كان في بيئة بعيدة عن العلم وهذا أمر معلوم، وأهل السنة والجماعة يعذرون من كان في بيئة بعيدة عن العلم كالنجاشي في أمور لا يعذرون بها الإنسان الذي يعيش في الإسلام وبين العلماء، فلم يبلغ النجاشي الكثير من الأحكام، فلم تبلغه مثلاً سورة المائدة التي حكم الله فيها على الحاكمين بغير شريعته بالكفر والفسق والظلم لأنها نزلت بالسنة العاشرة من الهجرة فهي آخر سورة نزلت من القرآن، والنجاشي قد توفي قبل فتح مكة (البداية والنهاية 4/276)، فكيف يقاس النجاشي -رحمه الله- بمن يطالبه العلماء ليل نهار بتطبيق الشريعة ويبينون له وجوب تطبيقها، وعظم جرم مخالفتها؟.. لا شك أنه قياس ظالم جائر.

-الأمر الثالث: أن النجاشي -رحمه الله- توفي قبل اكتمال الشريعة، وأيضاً لم يبلغه من الأحكام الشيء الذي يستطيع به أن يفصل بين الناس في دماءهم وأعراضهم وأموالهم، فبأي شريعة كان سيحكم بها الناس لو قلنا أنه قادر على تطبيقها؟

إذا عرفت هذا عرفت سذاجة وسماجة هذا القياس بين النجاشي وبين أقوام بين أيديهم شريعة شاملة كاملة، لا شك أنه قياس ظالم جائر.

-الأمر الرابع: أن النجاشي -رحمه الله- قد قام بكل ما أمره الله جل وعلا، فقد أوى المؤمنين وصدع بالتوحيد، وبين صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث رسالة يبين فيها أنه مستعد أن يهاجر ويترك ملكه وما هو فيه ويأتي للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا معلوم من كتب السيرة، ومن رسالته التي بعثها لنبي صلى الله عليه وسلم.

أفيقاس هذا الرجل الصالح المقبل على الله الناصر لدين الله المتجرد عن دنياه بهؤلاء المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، المنغمسين في ظلمات الجهل والهوى؟.. لا شك أنه قياس ظالم جائر.

ومن هذه الأمور التي ذكرت يتبين لك بشاعة وشناعة هذه الشبهة، وإلى هنا أكون قد بنيت أهم الشبهة الذي ذكرها العنبري وبنى عليها قوله، وألف عليها كتابه:

* الأولى في مطلبه العزيز وزعمه الإجماع على أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر إلا إذا جحد واستحل سواء في ذلك المشرع وغيره، فبينت أن ما نقله من أقوال أهل العلم ينزل على القضايا الخاصة لا التشريعات العامة، وأن التشريع العام واستبدال الشرع كفر أكبر بالإجماع.

* والثانية في زعمه أن المشرع والمبتدع مثلان لا يختلفان.

* والثالثة في زعمه أن النجاشي -رحمه الله- كان يحكم بغير ما أنزل الله في العهد النبوي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفره مستدلاً بذلك على عدم تكفير أرباب القوانين وحكامها موهماً أن لهما نفس الحكم.

* ثالثاً: ومما تعرض له العنبري في كتابه (103) تفسير قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} (النساء:6).

ولما لم يجد العنبري في تفسير هذه الآية ما يخدم مذهبه قال إنه "لا إشكال فيها فهي تصف حال المنافقين إزاء حكم الشريعة الغراء".

ونقول للعنبري: نعم هي تصف حال المنافقين تجاه الشريعة حيث يريدون أن يتحاكموا إلى غيرها من حكم الطاغوت، ولكن أليس فيها تكفير لهم بهذا وتكذيب لما زعموه من الإيمان بسبب هذه الإرادة، وانهم لم يكفروا بالطاغوت؟.

قال الشيخ العلامة عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمه الله-: "فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله {يزعمون} من نفي إيمانهم، فإن {يزعمون} إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله: {وقد أمروا أن يكفروا به} لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، كما في آية البقرة، فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه. كما أن ذلك بين في قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}. وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به" (فتح المجيد (345)).

وقال العلامة الشوكاني في تفسيره (فتح القدير (1/722)): "قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون} فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها، ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلا وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به".

وقال العلامة الشنقيطي -رحمه الله-: ومن أوضح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون..}.. الآية" (أضواء البيان(4/91)).

وقال الشيخ محمد بن ابراهيم -رحمه الله-: "وقد نفى الله الإيمان عن من أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}.

فإن قوله عز وجل {يزعمون} تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو: مجاوزة الحد.

فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه.. فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى وجاوز حده حكما أو تحكيما فصار بذلك طاغوتا لتجاوزه حده" (تحكيم القوانين (3)).

* رابعاً: ومما تعرض له العنبري أيضا (105) قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} (النساء:65). حيث زعم أن الآية لا تدل على نفي الأيمان وإنما تنفي كماله، وذكر أنه لم يجد من المفسرين من تجاسر على القول بنفي أصل الإيمان، وذلك لأن سبب نزول الآية يأباه. (سبب نزول الآية ما جاء في الصحيحين من قصة تخاصم الزبير ورجل من الأنصار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قال الأنصاري لما حكم بينهما النبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله أن كان ابن عمتك" وانظر البخاري (2359) ومسلم (2357)).

والجواب على ذلك: أما أنه لم يقل به أحد فليس بصحيح، فقد قال أبو محمد ابن حزم -رحمه الله- في الفصل (3/195): "فنص تعالى وأقسم بنفسه أنه لا يكون مؤمنا إلا بتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما عنّ، ثم يسلم بقلبه ولا يجد في نفسه حرجا مما قضى فصح أن التحكيم شيء غير التسليم بالقلب، وأنه هو الإيمان الذي لا إيمان لمن لم يأت به".

وقال أيضا: "فهذا هو النص الذي لا يحتمل تأويلا ولا جاء نص يخرجه عن ظاهره أصلا، ولا جاء برهان بتخصيصه في بعض وجوه الإيمان" (الفصل (3/249)).

وقال الشيخ محمد بن ابراهيم -رحمه الله- مستدلا على كون تحكيم القانون اللعين من الكفر الأكبر المستبين: "وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيا مؤكداً بتكرار أداة النفي وبالقسم" (تحكيم القوانين (1)).

وأما أن سبب نزول الآية يأباه فليس بصحيح أيضا، لأنه ليس فيه أن الأنصاري أصر على اعتراضه ولم يتب حتى يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم عليه بالردة فلا يستقيم القول بأن النفي في الآية لكمال الإيمان إلا مع تقدير أن هذا الصحابي -الأنصاري - والذي يجزم العنبري بكونه بدرياً - أصر على اعتراضه على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتب منه، وهل يظن هذا بأحد من الصحابة فضلا أن يكون من البدريين، أم يظن الصحابي وخاصة بعد نزول الآية أنه تاب ورضي بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال ابن حزم -رحمه الله-: "حتى إذا بين الله تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم وجب أن من وقف على هذا قديما وحديثا وإلى يوم القيامة فأبى وعند فهو كافر وليس في الآية أن أولئك عندوا بعد نزول هذه الآية" (المحلى (11/202)).

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في الفتح (5/44): "ويحتمل أنه لم يكن منافقا ولكن صدر منه بادرة النفس كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوى هذا شارح "المصابيح" التوربشتي ووهى ما عداه".

* خامساً: ومن الأمور العجيبة عند العنبري هذا، ما ذكره في كتابه (112) في تفسير قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} (الشورى:21) حيث ذكر أن للمفسرين في هذه الآية قولين كليهما لا يساعد العصريين على ما ذهبوا إليه، ثم ذكر أنه ظل يتعجب زماناً من أين انتزع المعاصرون من الآية أن كل من شرع أو حكم بغير ما أنزل الله فهو مشرك، وبعد هذا التعجب ذكر أنه وقف على تفسير ثالث لهذه الآية، ذكره أبو حيان ثم أعقبه بقول القرطبي، وذلك أنه نحوه.

فبالله عليك يا عنبري أتعبك البحث في تفسير هذه الآية، وظللت زماناً تتعجب وأنت لم تقرأ تفسير القرطبي لها فأين بحثت إذاً؟!.

وعلى كل فلو أمعن العنبري النظر في التفاسير التي نقلها، وخاصة ما نقله عن ابن كثير لعلم أنه يهرف بما لا يعرف، ولن أناقشه في نقولاته وما ذكر من الأقوال، ولكن أريح نفسي وأريحه، وأريح القراء باستدلال بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين لهذه الآية على كفر المشرعين ومن هؤلاء:

1- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في رسالته التسعينية المطبوعة في الفتاوى الكبرى، وقد تقدم ذكره وأعيد هنا حيث قال: "والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك ديناً فقد جعل لله نداً ولرسوله نظيراً بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله نداً، أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب وهو ممن قيل فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}" (الفتاوى الكبرى (6/339)).

2- فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله- وقد تقدم قوله وأعيده هنا، قال في فقه العبادات (60): "القسم الأول؛ أن يبطل حكم الله ليحل محله حكم آخر طاغوتي، بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس، ويجعل بدله حكم آخر من وضع البشر كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس، ويحلون محلها القوانين الوضعية، فهذا لا شك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها، وهو كفر مخرج عن الملة، لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق حيث شرع لعباد الله ما لم يأذن به الله تعالى ذلك شركاً في قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله} ا.هـ.

وأقول:

وكم من معيب قولاً صحيحاً

وآفته من الفهم السقيم

* سادساً: ومن مغالطات العنبري أيضاً ما قاله في تفسير قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} حيث نقل (119) تفسير سيد قطب رحمه الله لها حيث يقول: "إن من أطاع بشراً في شريعة من عند نفسه ولو في جزئية صغيرة فإنما هو مشرك، وإن كان في الأصل مسلماً ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضاً مهما بقي بعد ذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه بينما هو يتلقى من غير الله ويطيع غير الله".

ثم قال العنبري: "والحق أن مثل هذا التفسير الحروري الخارجي كان سبباً في انحراف كثير من الشباب وتجاسرهم على تكفير المجتمعات المسلمة، ألا فليحذر الذين يقرأون في الظلال من مثل هذه الانحرافات الخطيرة المدمرة".

فأقول: رحم الله سيداً ما كان أغيره على الدين.. وأقول للعنبري: هل تجرؤ أن تقول عن الشيخ الشنقيطي مثلما قلت في تفسير سيد قطب، وقد كان كلامه أشد حيث يقول: "أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته" وحيث جعلهم كمن يعبد الصنم ويسجد للوثن؟ فدع عنك هذه الجرأة يا عنبري واعرف قدر نفسك.

وأقول أيضاً: لم يفرق العنبري بين الطاعة في التشريع والطاعة في المعصية، فهناك فرق بين من يطيع غير الله في التشريع فيحلل الزنا والربا، وبين من يطيع غير الله في الفعل والمعصية كأن يزني ويرابي طاعة لغير الله، فالأول شرك وكفر وعليه ينزل قـول الشيـخ الشنقيطي، وقـول سيد قطب -رحمهما الله- ومن هؤلاء أصحاب القوانين الوضعية حيث أخذوا قوانين الغرب فحللوا ما حللت، وحرموا وما حرمت، وطبقوها على الناس وألزموهم بها.

والثاني – أعني الطاعة في الفعل معصية وليس بكفر حتى يستحله، وهذا القسم هو ما يتحدث عنه ابن العربي كما نقل كلامه العنبري حيث يقول -رحمه الله-: "إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع". (أحكام القرآن (2/752)).

فتأمل قوله: "إذا أطاعه في الفعل" فهل له نفس حكم من أطاعهم في الفعل والقول والتحكيم، وطبق ذلك على العباد وألزمهم به، وعاقب المخالف له؟!

وأما الطاعة في نفس التحليل والتحريم فهذا شرك ولا ريب قال العلامة الشنقيطي -رحمه الله- في تفسير الآية: "فهو قسم من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك وهذا الشرك مخرج من الملة بإجماع المسلمين". (أضواء البيان (3/400)).

وهذا المعنى واضح أيضاً من كلام القرطبي الذي ذكره العنبري حيث يقول: "دلت الآية على أن من استحل شيئاً مما أحل الله صار به مشركاً، وقد حرم سبحانه الميتة نصاً، فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك".

وأيضاً هذا المعنى واضح من قول الزجاج الذي ذكره العنبري حيث يقول في قوله تعالى: "{وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله تعالى أو حرم شيئاً مما أحل الله تعالى فهو مشرك وإنما سمي مشركاً لأنه أثبت حاكماً سوى الله تعالى وهذا هو الشرك".

فلا شك أن طاعة غير الله فيما يخالف شرع الله معصية لا يكفر فاعلها إلا بالاستحلال، أما تحليل الحرام وتحريم الحلال شرك أكبر وكفر بالله لا يشترط له الاستحلال. قال العلامة ابن حزم -رحمه الله-: "فمن أحل ما حرم الله تعالى وهو عالم بأن الله تعالى حرمه فهو كافر بذلك الفعل نفسه" (الفصل (3/204)).

* سابعاً: ذكر العنبري في كتابه (134) قول شيخ الإسلام: "معلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر".

ثم قال العنبري: "وهو صريح الدلالة على كفر من استباح فقط ففي المصباح المنير: ساغ فعل الشيء بمعنى الإباحة وتعدى بالتضعيف فيقال سوغته أي أبحته" ا.هـ.

والجواب على ذلك أن نقول: إن المسائل الشرعية لا تبحث بهذه الطريقة وكلام أهل العلم لا يفسر بهذه الطريقة.

ثم إن الإباحة ليست الاستحلال القلبي كما يوهم العنبري فالإباحة هي الإعلان والإذن بالشيء، تقول: أباح الرجل ماله بمعنى أذن في الأخذ والترك، والمباح في الشرع هو المأذون فيه حيث لم يتعلق به أمر ولا نهي لذاته.

وعليه فمعنى سوغ اتباع غير دين الإسلام أي أباحه بمعنى أذن فيه. ولا يلزم من الإباحة الاستحلال، فهذا العنبري يقرر في كتابه أن من أباح ما حرم الله لا يكفر حتى يستحل.

ثم هل يريد العنبري أن يقول: إن من فتح باب الردة على مصراعيه وأذن لمن يشاء أن يكفر، وأن يدعو لكفره، وأذن ببناء الكنائس والمشاهد في بلاد المسلمين، ودافع عن أهلها وساوى بينهم وبين الموحدين في جميع الحقوق، وأعطاهم مطلق الحرية.. هل يريد العنبري أن يقول: إن هذا لا يكفر حتى يعتقد بقلبه حل ذلك وجوازه؟!.. فما هو الكفر بالطاغوت إذن، وما هي ملة إبراهيم وما دين محمد صلى الله عليه وسلم؟!

* ثامناً: قال العنبري في كتابه (144): "واعترض بعضهم بأن ثمة فرقا بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم: [ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة] وبين كفر منكر في الإثبات"، ثم قال: "والجواب أن هذه القاعدة لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قول أحد من متقدمي الأمة".

والرد عليه: أن هذه القاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الاقتضاء (1/208)، وكثيراً ما يستدل بها أهل العلم كالشيخ ابن عثيمين -حفظه الله- كما في رسالته في تكفير تارك الصلاة، وكذلك في القول المفيد (2/216)، ولم نسمع من ينكر هذه القاعدة أو ينتقدها، فليخبرنا العنبري قبل كل شيء مَن مِن العلماء يخالف شيخ الإسلام بهذا حتى يتضح عندنا أن في المسألة خلافا.. فلن نترك ما قرره شيخ الإسلام بناء على استقرائه لأدلة الكتاب والسنة لقول العنبري.

وأما قـول العنبري أن هـذه القاعدة لا دليل عليها فباطل، بل الأدلة كلها تؤكد ما قرره شيخ الإسلام -رحمه الله-.

فخذ مثلا من القسم الأول (المعرف باللام):

- ما رواه البخاري في صحيحه (16) عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار].

- وما رواه البخاري أيضا (1589) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد قدوم مكة: [منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر].

- وما رواه مسلم في صحيحه (86) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [الإيمان يمان والكفر قبل المشرق..] الحديث.

وخذ من القسم الثاني:

- ما رواه البخاري في صحيحه (6766) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر].

- وما رواه البخاري في صحيحه (48) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [سباب المسلم فسوق وقتاله كفر].

- وما رواه مسلم في صحيحه (121) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت].

فهذه بعض الأمثلة على القسمين تبين ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فما جاء معرفا باللام فالمقصود به الكفر الأكبر، وما جاء منكراً في الإثبات فالمقصود به الكفر الأصغر.

وأما استدلال العنبري لنقض هذه القاعدة بقول امرأة ثابت بن قيس "ولكني أكره الكفر في الإسلام" وقول ابن عباس -رضي اللهعنهما- عن الرجل يأتي المرأة في دبرها؟ فقال: "ذلك الكفر"، فالجواب: أنه ليس من الإشكال أو النقض على القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام أن يخرج بعض النصوص بقرينة أو بدليل آخر إذا كانت النصوص عامة منسجمة مع هذه القاعدة، فمعنى كلامه -رحمه الله- أن الأصل في لفظ "الكفر" في الكتاب والسنة أنه إن عرف باللام فالمراد به الكفر الأكبر، وإن كان منكرا في الإثبات فالمراد به الكفر الأصغر.

وأما قول امرأة ثابت "ولكني أكره الكفر في الإسلام" ففيه قرينة تدل على أن المراد بالكفر هنا الأصغر لا الأكبر، وذلك من قولها "في الإسلام" حيث قيدت هذا الكفر بكونه في الإسلام فدل على أن الكفر الغير مخرج من الإسلام، لأن الكفر الأكبر لا يكون في الإسلام ولا يجتمع معه أبدا بل أحدهما ينافي الآخر. وعليه فلا يكون في الحديث دليل للعنبري.

وأما استدلاله بقول ابن عباس -رضي الله عنهما- فلا يستقيم، لأن المقصود بكلام الشيخ ما جاء في الأدلة من الكتاب والسنة، فلا يدخل فيه كلام الصحابة ولا غيرهم، وإنما بينت أن قول امرأة ثابت لا يشكل على ما ذكره شيخ الإسلام لئلا يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على هذا الإطلاق، والله أعلم.

وبعد هذا فكتاب العنبري مليء بمثل هذه الأخطاء والمغالطات، واكتفي بهذا الحد من الرد عليه ففيه الكفاية إن شاء الله تعالى لمن تجرد للحق وإليك فصلاً أخيراً في بيان بعض الشبه الأخرى حول هذه القضية وتصحيح بعض المفاهيم والله المستعان.

بيان بعض الشبه حول هذا الموضوع والرد عليها

* أولاً: قول السلف: "ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله".

كثير من الناس يستدل بهذه القاعدة على عدم تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله لأن الحكم بغير شريعة الله أو الحكم بالقوانين الوضعية ذنب، وأهل السنة لا يكفرون بالذنب إلا بالاستحلال، وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف من هذه المقولة وهو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب بل إن بعضهم قد سحب هذه القاعدة على الشرك الأكبر والمكفرات كسب الرب، وسب الرسول صلى الله عليه وسلم والسجود للصنم ونحو ذلك، وسأورد بعض أقوال السلف والعلماء في أن المقصود بها الذنوب دون الشرك والمكفرات التي يكفر بمجرد ارتكابها، ثم اذكر بعض المكفرات التي نصوا على كفر مرتكبها وإن لم يستحل.

- قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الإيمان: "باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك".

- وقال العلامة السفاريني -رحمه الله- في لوامع الأنوار (367-368): "والمراد أن الإنسان لا يخرج من الإيمان بملابسته وإتيانه بموبقات الذنوب التي هي أكبر من الكبائر و "أل" في الذنب للجنس والاستغراق فيشمل كل الذنوب والعصيان دون الشرك بالله تعالى والكفر به بأي نوع من أنواع المكفرات فإن ذلك يخرجه من الدين بيقين".

- وقال الشيخ حافظ الحكمي: "والثالثة: أن فاسق أهل الملة الإسلامية لا يكفر بذنب دون الشرك ولوازمه إلا إذا استحله" (معارج القبول (1004)).

- وقال رحمه الله: "ولا نكفر بالمعاصي التي قدمنا ذكرها وأنها لا توجب كفراً والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك ولا تستلزمه ولا تنافي اعتقاد القلب ولا عمله" (معارج القبول (1039)).

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور" (الفتاوى (7/302)).

- وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن في كتابه ( تحفة الطالب والجليس (41-42)): "ومن أعرض عن كلام أهل العلم ورأى أن من صلى أو قال لا إله إلا الله فهو من أهل القبلة وإن ظهر منه من الشرك والترك لدين الله ما ظهر فقد نادى على نفسه بالجهالة والضلالة، وكشف عن حاصله من العلم والدين بهذه المقالة، وقد أنكر الإمام أحمد -رحمه الله- قول القائل: لا نكفر أهل القبلة وهذا يزعم -يعني ابن جرجيس- أنه على مذهب الإمام أحمد.

ومقصود من قالها إنما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمجرد الذنوب، وهذا وضع كلامهم في غير موضعه وأزال بهجته لأنه تأوله في أهل الشرك، ودعاء الصالحين، فالتبس عليه الأمر، ولم يعرف مراد من قال هذا من السلف، وهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله ورسوله وبإجماع أهل العلم.

وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب باباً مستقلاً في هذه المسألة، وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة من المكفرات أشياء كثيرة دون ما نحن فيه، وجزموا بأن العصمة بالتزام الإسلام ومبانيه ودعائمه العظام لا بمجرد القول أو الصلاة مع الإصرار على المنافي، وهذا يعرفه صغار الطلبة، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم، فهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب فالدعوى عريضة والعجز ظاهر" ا.هـ.

- وقال الشيخ -رحمه الله- في (الإتحاف في الرد على الصحاف): "وبقي قسم خامس وهم الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب كالسرقة والزنا وشرب الخمر، وهؤلاء هم الخوارج وهم عند أهل السنة ضلال مبتدعة قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم والترغيب فيه، وفيه [أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم].

وقد غلط كثير من المشركين في هذه الأعصار وظنوا أن من كفر من تلفظ بالشهادتين فهو من الخوارج وليس كذلك، بل التلفظ بالشهادتين لا يكون مانعاً من التكفير إلا لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما وأخلص العبادة لله ولم يشرك به سواه فهذا تنفعه الشهادتان" (الإتحاف (32-33)).

فهذه بعض الأقوال لأهل العلم في كون هذه القاعدة وهي أنه لا يكفر بالذنب إلا بعد الاستحلال لا تنطبق على الشرك الأكبر والكفر بالله سبحانه وتعالى، وقد تقدم في أول الكتاب أن التشريع من دون الله شرك أكبر، وعليه فلا يستقيم الاستدلال بهذه القاعدة في هذا المجال، وإليك أمثلة لأقوال وأعمال نص السلف على تكفير قائلها أو مرتكبها بالخروج عن الإسلام وإن لم يستحل:

- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل" (الصارم المسلول (512)).

- وروى اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (4/849) عن أبي ثور -رحمه الله- أنه قال: "ولو قال المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن".

- وقال ابن نجيم في البحر الرايق (5/134): "إن من تكلم بكلمة الكفر هازلاً أو لاعباً كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده".

- وذكر الإمام محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (2/93) عن اسحق بن راهويه أنه قال: "ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ومما جاء من عنده ثم قتل نبياً أو أعان على قتله ويقول قتل الأنبياء محرم فهو كافر".

- وقال ابن قدامة رحمه الله في المغني (10/106): "قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وتعليمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته".

- وروى الخلال بسنده إلى الحميدي قال: "وأخبرت أن قوما يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره، مستدبرا القبلة حتى يموت فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذ كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل المسلمين" (السنة للخلال (3/586)).

- وقال عبدالله بن الإمام أحمد -رحمهما الله- في كتاب السنة: "حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر.

وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله وسلامه عليه وإبليس وعلماء اليهود، أنا آدم فنهاه الله عز وجل عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من غير كفر.

وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا.

وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله عز وجل كفارا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام وغيره من الأنبياء، وأما ترك الفرائض جحودا فهو كفر إبليس لعنه الله، وتركهم على معرفة من غير جحود فهو كفر مثل كفر علماء اليهود. والله أعلم" (السنة (1/347)).

فهذه بعض الأمثلة في كون الاستحلال أو الاعتقاد لا يكون في المكفرات والشرك، وإنما هو في المعاصي كالزنا وشرب الخمر وأكل الربا. ومن أراد الاستزادة فليراجع ما ألف في حكم المرتد من كل مذهب، وما ألف في الإيمان لا سيما كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.

* ثانياً: من الشبه التي يثيرها كثير من الناس مسألة تكفير المعين، فإذا ما بين لأحدهم أن الحكم بهذه القوانين الشيطانية كفر وردة، ثم لم يستطع رد هذه الأدلة وهذه الأقوال قال: لكننا لا نكفر المعين، أو أن هناك فرقاً بين الإطلاق والتعيين ونحو ذلك.

والجواب عن هذا أن نقول: نحن نعلم والحمد لله أن هناك فرقاً بين الإطلاق والتعيين، وأن الشخص المعين لا يكفر إلا إن قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبعد أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، ولكن اعلموا أنتم أن القول بعدم تكفير المعين مطلقاً بدعة، وأن الشخص المعين إن قامت عليه الحجة وتوفرت في حقه شروط التكفير وانتفت موانعه أنه يجب تكفيره، وإلا لم يقم حد الردة على أحد في الإسلام، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.

وقد ألف الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- رسالة في هذا الموضوع وهي "مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد" ومما قال -رحمه الله-: "وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيفهم، قال -رحمه الله- -يعني شيخ الإسلام-: "أنا من أعظم الناس نهياً أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع أو تفسيق أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى" انتهى كلامه. وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الأشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية" (عقيدة الموحدين (54)).

وقال بعده بقليل: "على أن الذي نعتقده وندين الله به ونرجو أن يثبتنا عليه أنه لو غلط هو أو أجل منه في هذه المسألة، وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين، أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله، وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من تكفيره ولو غلط من غلط. فكيف والحمد لله ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافاً لهذه المسألة" (عقيدة الموحدين (55)).

وقال في نفس الرسالة أيضاً (عقيدة الموحدين (70)): "ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين أن أحداً أنكر شيئاً من ذلك، أو استشكل لأجل ادعائهم الملة، أو لأجل قول لا إله إلا الله، أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعنا من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك ولكن من فعله أو حسنه أو كان مع أهله، أو ذم التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله أنه لا يكفر لأنه يقول لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم -سماها الإسلام- هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين، فإن ظفروا بحرف واحد من أهل العلم أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه، ولكن الأمر كما قال اليميني في قصيدته:

أقاويل لا تعزى إلى عالم فلا

تساوي فلساً إن رجعت إلى نقض

وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله-: هل يجوز إطلاق الكفر على الشخص المعين إذا ارتكب مكفراً؟ فأجاب قائلاً:

"إذا تمت شروط التكفير في حقه جاز إطلاق الكفر عليه بعينه، ولو لم نقل بذلك ما انطبق وصف الردة على أحد، فيعامل معاملة المرتد في الدنيا، هذا باعتبار أحكام الدنيا، أما أحكام الآخرة فتذكر على العموم لا على الخصوص" (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ (2/125)).

وبعد هذا فإننا نقول: ائتونا بشرط مفقود أو مانع موجود.

* ثالثاً: كذلك من الأمور التي يوردونها قضية التسلسل في التكفير، فيقولون إن تكفير الحاكم بغير شريعة الله يلزم منه تكفير الوزراء، وتكفير الجيش والشرطة وتكفير الموظفين بل وتكفير عامة الناس.. وهلم جراً.

والجواب: أن هذه اللوازم لا تلزمنا لأننا لم نكفر المشرع إلا لكونه ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، فهل كل هؤلاء ارتكبوا ناقضاً من النواقض؟.. إن من أشرك بالله أو كفر به فإنه يكفر بعد إقامة الحجة عليه سواء كان حاكماً أو وزيراً أو عاملاً أو خادماً أو كائناً من كان، فمن حرم الحلال، أو حلل الحرام أو شرع ما لم يأذن به الله فإنه يكفر ولو كان من عامة الناس.

وهكذا من رضى بهذا التشريع وهذا الحكم لا شك في كفره أيضاً كائناً من كان.

ونقول أيضاً أننا لا نكفر بالله باللازم، فلازم المذهب ليس بمذهب إلا أن يلتزمه صاحب المذهب، ونقول كما قال الحافظ ابن حجر: "أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه، أما من لم يلتزمه وناضل عنه، فإنه لا يكون كافراً، ولو كان اللازم كفراً" (فتح المغيث (2/69)).

ولو سلمنا لكم جدلاً أنه يلزم من عمل بعض ذكرتم الرضا بهذه القوانين الوضعية لقلنا لا نكفره إلا إذا التزم هذا على أننا لا نسلم في الكثير من هذه اللوازم.

فقضية التسلسل في التكفير ما هي إلا شبهة يردون بها الحق، وهب أن بعض الناس تسلسل في تكفيره فما الذي يضرنا أصلاً إن كنا نبرؤ من ذلك كما نبرؤ من الغلو في الإرجاء وسائر الأهواء المضلة؟

* رابعاً: ومن المفاهيم التي يجب أن تصحح القول بأنه ثمرة التكفير أعني تكفير الحاكم الجائر المبدل لأحكام الله هي الخروج، والخروج أمر غير وارد لنقص أسبابه، فما الفائدة إذاً من التكفير؟

والجواب: نعم إن الخروج على الحاكم إذا ظهر منه الكفر البواح والتغيير بالشرع واجب مع القدرة، قال القاضي عياض: "فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين خلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك" (شرح مسلم للنووي (12/229)).

وقال النووي بعد نقله لكلام القاضي عياض السابق: "وحجة الجمهور أن قيامهم للحجاج ليس بمجرد الفسق بل لما غير من الشرع، وظاهر من الكفر".

والشاهد من كلامهما أنهما ذكرا تغيير الشرع من موجبات الخروج وذلك إن وجدت القوة والقدرة الكافية لإزالته وأمنت الفتنة، ولم يترتب على الخروج مفسدة أعظم، ولكن أين الأحكام الأخرى المتعلقة في حكم المرتد، والتي ذكرها أهل العلم وقرروها في كتب الفقه من انتفاء ولايته، وتحريم ذبيحته، وتحريم تزويجه، ومنع التوارث بينهم وبين المسلمين، وغير ذلك وأعظم هذه الأحكام وأكبرها وأهمها أنه طاغوت بل من رؤوس الطواغيت يجب الكفر به وبتشريعه والتبري منه وبغضه.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

******************

***********

******