وقفات مع الوقفات

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

قرأت ما كتبه أخونا الكريم الشيخ عبدالله السبت حفظه الله في مقالته وقفات وظن فيها وفقه الله أنني جافيت الصواب فيها وأرجو ان يتسع صدر أخينا في الله أبو معاوية لهذا الرد فهو كذلك من محب.

الوقفة الأولى:

قوله ان طرح الشيخ عجيل النشمي ينطلق من طرحه لأنه من مدرسة الاخوان وكذلك المدرسة العقائدية الاشعرية فهو يعبر عن مدرسته لا عن منهج السلف.

الرد:

ان موقفي من المظاهرات السلمية هو رأيي وما زلت عليه قبل ان اعرف رأي فضيلة شيخنا عجيل النشمي حفظه الله ونعم الشيخ وأخو العشيرة هو عرفته استاذا لي في الكلية وتتلمذت على يديه وعميدا عندما كنت معيدا وزميلا عندما درَست في الكلية فلم أر منه انا وجميع اخواننا السلفيين الا كل خير وانصاف وتجرد، ولست وحدي من يرى بجواز المظاهرات السلمية فكثير من الاخوة السلفيين يرون هذا الرأي وهي من مسائل الفروع وليست من الأصول فمهما أخذكم الحماس لتحريمها فانها تبقى من مسائل الفروع وليست الأصول ولا علاقة لها بالخروج على ولاة الأمر بل هي من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السلمية وكل له رأيه.

ومنهج جمعية احياء التراث الاسلامي المباركة اجتهاد منها مأجورة عليه ان شاء الله ونحن لا نتفق على كل ما جاء فيه فان مرجعنا يا أخي الكريم القرآن والسنة ونهج السلف وليس منهج الجمعية الذي هو اجتهاد بشر يصيب ويخطئ وله ظروف خرج فيها ونحن نقدرها ونعذرهم بها.

الوقفة الثانية:

الجدل حول جواز المظاهرات من حرمتها فمن له رأي بحرمتها على الاطلاق فهو رأيه ونحترمه ولا يلزمنا به ثم انهم لم يذكروا دليلاً على حرمتها بل تقديراً للمصالح والمفاسد وتقدير المصالح والمفاسد نسبي فحين يرى البعض ان فيها شر عظيم دائماً وهذا كلام غير صحيح يخالفه الواقع، يرى غيرهم ان فيها خير وشر حسب الظروف ويبدو أنهم لا يفرقون بين أعمال الشغب وبين المظاهرات السلمية المنظمة باذن السلطات التي يجرى منها الكثير في شتى بقاع الأرض دون أي افساد، بل ان المظاهرات السلمية التي تحقق مصالح مشروعة دينية أو دنيوية هي من أسباب الاستقرار وليس من أسباب الفوضى والشغب، وكذلك الاضرابات والاعتصامات والعصيان المدني انها بدائل سلمية عن الثورات والتفجيرات والتخريب ومن اهم وسائل قياس الرأي العام لأصحاب القرار لتجنب ردات الفعل العنيفة والاضطرابات والقلاقل ويذكر اهل الكويت الاضراب العام والعصيان المدني الشامل الذي قامت به الكويت اثناء الغزو العراقي فلو كانت تلك الوسائل محرمة لذاتها لما جاز لنا اتخاذها وسيلة لمقاومة المحتل العراقي أما قوله حفظه الله أنني لو لم أقيدها للضرورة في حال عدم سماح السلطات لها فهو قيد حتى لو لم اذكره لا يغير شيئاً، فهو قاعدة أصولية معروفة الضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها فالضرورة تبيح ليس التظاهر المختلف فيه بل قد تبيح المحرم المتفق عليه. ثم أنه بذلك يؤيدني بجوازها باذن السلطات وممن قال كذلك بجواز المظاهرات السلمية من علماء الأمة شيخنا العلامة عبدالرحمن عبد الخالق والشيخ محمد الطبطبائي عميد كلية الشريعة السابق والشيخ عبدالعزيز الفوزان ولجنة الفتوى في الأزهر الشريف والشيخ علوي بن عبد القادر السقاف والشيخ عادل الدمخي والشيخ محمد حسان الذي شارك فيها مع بعض اخواننا السلفيين كما ان اخواننا السلفيين في الاسكندرية أصدروا بياناً فيه مطالب معلنة من النظام واثنوا على جهد الشباب وغيرهم كثير ولست بصدد احصاء من يرى جوازها من علماء السلفية فانهم كثر وأكثر منهم من باقي علماء الأمة واني على يقين انه مع الزمن سيعود الى القول بجوازها وفق ما ذكرناه سابقاً اغلب علمائنا والله اعلم.

الوقفة الثالثة:

ضربت الأمثلة لبيان ان من يحاججنا برأي علماء المملكة لا يقلدهم بكل أقوالهم وأمّا مجادلته وفقه الله في المسائل التي ذكرتها فاليك تفصيل الرد عليها.

كفر تارك الصلاة كسلا فالأخ عبدالله رجح رأى الحنابلة بكفره وخروجه من الملة وأنا أرجح رأى الجمهور وأنا مطمئن بعدم كفره ألاّ جحوداً، فالخلاف قديم ولا يستحق المراء فيه فكل له رأيه وترجيحه والله الموفق.

أما مسألة قيادة المرأة فهي تثبت اختلاف الفتوى باختلاف الظروف.

أما الحكم بغير ما انزل الله فالتفصيل الذي ذكره الأخ في الله عبدالله معروف وأنا ذكرت من وضع دستوراً أو تشريعاً عاماً مخالفا لاصول الدين والشريعة وحمل الناس عليه فانهم يرون خروجه من الملة على خلاف ما تزعمون عنهم فاليك بيان صادر من هيئة كبار العلماء حول التشريع العام وردهم على من زعم أنه لا يكفر الا بالاستحلال القلبي.

- بيان هيئة كبار العلماء: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:

فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء على كتاب بعنوان: (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لكاتبه: خالد على العنبري وبعد دراسة الكتاب اتضح أنه يحتوي على اخلال بالأمانة العلمية فيما نقله عن علماء أهل السنة والجماعة. وتحريف للأدلة عن دلالتها التي تقتضيها اللغة العربية ومقاصد الشريعة. ومن ذلك ما يلي:

1- تحريفه لمعاني الأدلة الشرعية، والتصرف في بعض النصوص المنقولة عن أهل العلم، حذفاً أو تغييراً على وجه يُفهم منها غير المراد أصلاً.

2- تفسير بعض مقالات أهل العلم بما لا يوافق مقاصدهم.

3- الكذب على أهل العلم، وذلك في نسبته للعلامة محمد بن ابراهيم آل شيخ رحمه الله ما لم يقله.

4- دعواه اجماع أهل السنة على عدم كفر من حكم بغير ما أنزل الله في التشريع العام الا بالاستحلال القلبي كسائر المعاصي التي دون الكفر. وهذا محض افتراء على أهل السنة، منشؤه الجهل أو سوء القصد نسأل الله السلامة والعافية. وبناء على ما تقدم، فان اللجنة ترى تحريم طبع الكتاب المذكور ونشره وبيعه، وتُذكر الكاتب بالتوبة الى الله تعالى ومراجعة أهل العلم الموثوقين ليتعلم منهم ويبينوا له زلاته، ونسأل الله للجميع الهداية والتوفيق والثبات على الاسلام والسنة. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء الرئيس عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل شيخ عضو عبدالله بن عبدالرحمن الغديان عضو بكر بن عبدالله أبو زيد عضو صالح بن فوزان الفوزان.

واليك فتوى الشيخ صالح الفوزان حول الاستبدال التام رداً على من اشترط الاستحلال القلبي في الحكم بغير ما انزل الله:

كفر من حكم بغير ما أنزل الله لا يقتصر على الجحود، بل يتناول الاستبدال التام، وكذا من استحل هذا العمل في بعض الأحكام ولو لم يجحد، أو قال: ان حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو قال: يستوي الأمران، كما نص على ذلك أهل العلم، حتى ولو قال: حكم الله أحسن ولكن يجوز الحكم بغيره، فهذا يكفر مع أنه لم يجحد حكم الله وكفره بالاجماع. ثم ذكر الكاتب في آخر كتابه هذا: ان هناك فتوى لسماحة الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ رحمه الله، يُكَفِّر فيها من حكم بغير ما أنزل الله مطلقًا ولا يفصل فيها، ويستدل بها أصحاب التكفير على ان الشيخ لا يفرق بين من حكم بغير شرع الله مستحلاً ومن ليس كذلك، وأن الشيخ ابن باز سُئل عنها فقال: محمد بن ابراهيم ليس بمعصوم فهو عالم من العلماء.. الخ ما ذكر. ولم يذكر العنبري نص فتوى سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم التي أشار اليها، وهل قُرئ نصها على الشيخ ابن باز أو لا؟!، ولا ذكر المرجع الذي فيه تغليط الشيخ ابن باز لشيخه، وانما نقل ذلك عن مجلة الفرقان، ومجلة الفرقان لم تذكر نص فتوى سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم، ولم تذكر في أي كتب الشيخ ابن باز تغليطه لفتوى شيخه، ولعلها اعتمدت على شريط، والأشرطة لا تكفي مرجعًا يُعتمد عليه في نقل كلام أهل العلم، لأنها غير محررة، وكم من كلام في شريط لو عُرِضَ على قائله لتراجع عنه، فيجب التثبت فيما ينسب الى أهل العلم قلت: وهم بذلك يؤيدون فتوى سماحة المفتي العام الشيخ محمد بن ابراهيم آل شيخ رحمه الله الذي يرى كفر من وضع قوانين وضعية دون ذكر الاستحلال القلبي الذي زعمتموه بل أنكروه وردوا عليه وبينوا ان هذا مذهب خاطئ.

- قال العلامة محمد بن ابراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: من أنواع كفر الاعتقاد (أي المخرج من الملّة) وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية اعدادا وامدادا وأرصادا وتأصيلا وتفريعا وتشكيلا وتنويعا، وحكما والزاما ومراجع ومستندات، فكما ان للمحاكم الشرعية مراجع ومستمدات، مرجعها كلّها الى كتاب الله وسنّة رسوله، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفّق من شرائع شتّى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين الى الشريعة وغير ذلك.

فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الاسلام مهيأة مكملة مفتوحة الأبواب، والناس اليها أسراب اثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم بها، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر؟ وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة.

- كما قال في موضع آخر:

(وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر اذا حاكم الى غير الله مع اعتقاده انه عاص وأن حكم الله هو الحق فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها: أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وان قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل) أ.ه فتاوى محمد بن ابراهيم 280/12، 6، 189.

- سماحة شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز قال ابن باز الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين، في الوقت الذي يتحاكمون فيه الى غير ما أنزل الله، ويرون شريعة الله غير كافية ولا صالحة للحكم في هذا العصر هو ما قال الله سبحانه وتعالى في شأنهم حيث يقول سبحانه وتعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

اذا فالذين يتحاكمون الى شريعة غير شريعة الله، ويرون ان ذلك جائز لهم، أو ان ذلك أولى من التحاكم الى شريعة الله لا شك أنهم يخرجون بذلك عن دائرة الاسلام، ويكونون بذلك كفارا ظالمين فاسقين، كما جاء في الآيات السابقة وغيرها، وقوله عز وجل: }أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.

- كما سئل شيخنا العلامة ابن عثيمين حول ذلك: فقال رحمه الله تعالى: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافا به، أو احتقارا له أو اعتقادا ان غيره أصلح منه وأنفع للخلق فهو كافر كفرا مخرجا من الملّة، ومن هؤلاء من يصنعون للنّاس تشريعات تخالف التشريعات الاسلامية لتكون منهجا يسير النّاس عليه، فانّهم لم يصنعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الاسلامية الاّ وهم يعتقدون أنّها أصلح وأنفع للخلق اذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية ان الانسان لا يعدل عن منهاج الى منهاج يخالفه الاّ وهو يعتقد فضل ما عدل اليه ونقص ما عدل عنه.

وقال رحمه الله تعالى: ونرى فرقا بين شخص يضع قانونا يخالف الشريعة ليحكم النّاس به، وشخص آخر يحكم في قضية معينة بغير ما أنزل الله، لأنّ من وضع قانونا ليسير النّاس عليه وهو يعلم مخالفته للشريعة، ولكنّه أراد ان يكون النّاس عليه فهذا كافر كفرا مخرجا من الملّة، ولكن من حكم في مسألة معينة يعلم فيها حكم الله ولكن لهوى في نفسه، فهذا ظالم فاسق وكفره وان وصف بالكفر كفر دون كفر فكل من سبق من علماء السلف يكفرون كفراً بواحاً من وضع دستوراً يخالف الشريعة أو يضع قوانين عامة (التشريع العام) ويحمل الناس عليها ولم يأتوا على ذكر الاستحلال القلبي الذي اخترعتموه.

وهو مالا تقولون به كلكم فهل تأخذون من علماء المملكة ما يوافق مذهبكم وتتركون ما لا يوافق رأيكم، ونحن والحمد لله في الكويت وكما نصت المادة الثانية على ان دين الدولة الاسلام والشريعة مصدر رئيسي للتشريع ونصت المذكرة التفسيرية على ما يلي (الدستور وقد قرر ان الشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع انما يحمل المشرع أمانة الأخذ بأحكام الشريعة الاسلامية ما وسعه ذلك، ويدعوه الى هذا النهج دعوة صريحة واضحة، ومن ثم لا يمنع النص المذكور من الأخذ، عاجلا أو آجلا، بالأحكام الشرعية كاملة وفي كل الأمور اذا رأى المشرع ذلك) وبذلك فاننا والحمد لله حكاما ومحكومين متفقون على الأخذ بأحكام الشريعة كاملة ونسعى لاستكمال تطبيقها وهو من أهم أهداف عملنا البرلماني والحمد لله، أما من حمل فكرأ علمانياً وحارب الدين وعادى الشريعة كحال اغلب الدول الجمهورية في العالم العربي كالماركسيين والبعثيين والعلمانيين فهم من ينطبق عليهم حكم الكفر والخروج من الملة وأولهم ابن علي الذي يتباكى عليه البعض اليوم ويزعم ان خلعه فتنة، بينما هو واجب شرعي على الامة، خلعه هو وأمثاله من المحاربين لدين الله ان استطاعت الامة ذلك وان لم تستطع فعليها اعداد العدة والقوة لخلعه فكيف بالمظاهرات السلمية التي هي أقل ضرراً من الخروج بالسلاح على الحكام المرتدين، ثم في هذه الوقفة استطرد الأخ أبو معاوية كثيراً في الأسلوب الأمثل لنصح الحاكم ونحن بينا اننا امةً وسطاً وان النصح يجب ان يكون بالرفق واللين وبالتي هي أحسن وبصورة تحقق مقاصد النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سراً وعلانية فلا داعي للاطالة فيما نحن متفقون عليه.

الوقفة الرابعة:

أما قاعدة اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان والأحول والظروف معروفة، وهي في الفروع والنوازل وفي بلادنا نقدر نحن المصالح والمفاسد ولا يفتى فيه العلماء الأموات ولا العلماء الذين لا يعرفون ظروفنا، ولكن مراعاة أصول الفتوى مع استصحاب الأدلة والمقاصد الشرعية ومآلات الأمور عند الحكم على النازلة واجب ونحن أهل البلد أدرى من غيرنا بالمصالح والمفاسد.

الوقفة الخامسة:

أقول الأمة تختار الخليفة أو رأس الدولة بالشورى والأخ عبدالله السبت يقول يختار أهل الحل والعقد واعيان البلاد حاكمهم! جزاك الله خيراً من هم اهل الحل والعقد واعيان البلاد ومن يحددهم ومن يختارهم وكيف يختارون حاكمهم ثم انك قلت يختارون وأقول ان الاختيار متروك للأمة وأهل الحل والعقد يقررون، أما كيف تختار الأمة أهل الحل والعقد فالأمة تقرره، وقرر أهل حل وعقد كثير من الدول الذي هو برلمانهم ان يكون اختيار الرؤساء بالانتخاب الحر المباشر ووضعوا شروطا للمرشح وشروطا للناخب وعندنا في الكويت قرر أهل الحل والعقد الذين هم أعضاء المجلس التأسيسي المنتخب من الأمة وأعضاء مجالس الأمة المنتخبين من بعدهم وضع شروط للناخب والنائب والوزير ورئيس الدولة وولي العهد وكيف يحاسبونهم وينصبونهم ويعزلونهم ونحن لا نريد ان نخرج عن اطار الكويت في مناقشاتنا لان أهل كل بلد ادري بظروفها وهم ادري بما يحقق مصالحهم ويدفع عنهم المفاسد فلنحصر النقاش في الكويت وظروفها فنحن نمارس دورنا وفق الدستور الذي هو عقد بالتراضي بين الحاكم والمحكوم تم الاتفاق عليه فكل ما يحقق مقاصد الشريعة في بلد من الشورى والعدل فلا باس به ويختلف شكل الاختيار لاختلاف ظروف الزمان والمكان وأرى ان المسائل الاجتهادية لا حاجة للمراء حولها.

الوقفة السادسة:

أما قولك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بذلك وتقصد (اسمع وأطع وان جلد ظهرك واخذ مالك) فسمعاً وطاعاً لسيدي وتاج رأسي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل نحن وهوانا الاّ تبعاً له بأبي هو وأمي وهل جهادنا الا في نشر دين الله عز وجل والذب عن سنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ولكن اعتراضي على فهمك للحديث وادعوك الى جمع هذا الحديث مع باقي الأدلة المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانكار على ولي الأمر حتى تصل للفهم الكامل للنصوص من ان الأمة مأمورة باقامة الامام العادل والحكم العادل الذي يطبق شرع الله ويحفظ لها الضرورات الخمس المجمع عليها من الأمة دينها ودمها وعرضها ومالها وعقلها وحاجياتها التي تستقيم الحياة بها بل والتحسينية التي تنعم الحياة بها وحفظ اموال الامة العامة وضمانات العدالة حتى لا يقع الظلم ورفع الظلم عنها ان وقع، فان ابتليت بظالم لا تستطيع رفع ظلمه الا بمفسدة أعظم فعليها الصبر على جوره مع بذلها الأسباب الشرعية لرفع الظلم عنها وكف يد الظالم والأخذ على يده دون الخروج بالسيف ما دام مسلماً ويقيم الصلاة فينا، أما فهمك أنت للحديث فلا أوافقك عليه ثم انك عارضتني من أول الوقفة ثم وافقتني في الرأي في المسألة عند ختام كلامك في هذه الوقفة أما ان انكار العلن يحتاج الى ضبط ودقة فلا شك أننا متفقون عليه وقولك ألاّ يكون في مظاهرات واعتصامات فقد سبق الرد عليه، كما أننا نؤكد ان جوازها باذن السلطات لا يعني اللجوء اليها على كل حال بل عند الحاجة الملحة وبعد نفاذ السبل الأخرى من نصيحة السر والعلن والدعاء لهم وتدخل أهل الحل والعقد وغيرها فاننا لا ندعوا اليها على كل حال وقد مضى علينا عمراً لم نخرج في مظاهرة من بعد التحرير حتى اليوم فلا يفهم أحد أننا نتساهل فيها بل نشدد حتى لا تصبح عادة للناس على أدنى الأسباب.

الوقفة السابعة:

يقول ان الائمة لم يخرجوا في مظاهرات وأنا لم اقل ان الانكار بالعلن لا يكون الا بالمظاهرات وهذا خلط منه بين المسائل فانا هنا أتكلم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علناً ولم أتطرق الى المظاهرات أبدا كما ان قوله ان الأئمة لم ينكروا شيئاً من أمور الدنيا وانما خالفوا فقهاء عصرهم وصدعوا بالسنة فاقول بل خالفوا الخلفاء وليس الفقهاء فقط وقوله لم ينكروا شيئاً من أمور الدنيا فأقول لأخي عبدالله ان العدل ورفع الظلم عن الناس من صميم أمور الدين وليس من أمور الدنيا وكلمة الحق عند امام جائر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الدين العظيمة وواجباته وحفظ أموال الأمة العامة واجب شرعي على الراعي والرعية.

الوقفة الثامنة:

قوله ان كلمة الحق أمام الحاكم وبين يديه وليس في الشوارع والمظاهرات وهذا خلط منه مرة أخرى لأنه حمل كلامي كله على المظاهرات وقولك بين يديه هذا فهمك اذ قد يكون بين يديه أو ان يصرح بها بين الناس ان كانت المصلحة تقتضي ذلك وما يصلح عندك في الامارات قد يصلح لنا أحياناً وأحيانا أخرى لا يصلح فنحن لدينا برلمان يستجوب رئيس الوزراء علناً وسراً ويطرح الثقة فيه.

ويحقق مع الحكومة علناً وسراً على كل فلس تصرفه ونقيل وزير الداخلية ان اخطأ في عمله ونرسله الى محكمة الوزراء ويحاكم رجال الأمن ان تجاوزوا على حرياتنا وكرامتنا ولا يحق لأحد عندنا مهما علا مركزه في السلطة ان يأخذ فلساً من أموالنا الخاصة دون وجه حق لأنها مصونة والحمد لله ولا يحق له ان يستولي على فلساً من الأموال العامة كذلك لأنها جريمة وصحافتنا حرة وقضائنا مستقل ونعيش بأمن وأمان فلا حاكمنا ظالم ولا نحن نقبل منه الظلم علينا والحمد لله.

ونحن السلفيون والحمد لله ندعو الى طاعة الله وطاعة رسوله مطلقا وأولي الأمر بالمعروف كما ندعو ولي الأمر الى تحكيم الشريعة واقامة العدل وحفظ أموال الأمة وحفظ الناس ودمائهم وأعراضهم وأموالهم وعقولهم وندعو الى استقلال القضاء وحمايته من أي تدخل، كما اننا والحمد لله نمارس دورنا كاملاً في الحياة العامة ونوابنا يمارسون سلطاتهم الدستورية كاملة من محاسبة رئيس الوزراء واعلان عدم التعاون معه ان ثبت خطؤه فضلاً عن الوزراء سراً وعلانية وحسب المصلحة العامة الى تشجيع الاعلام الحر والنقد البناء الهادف كل ذلك بميزان الشرع وتقديماً لمصلحة الأمة ودفعاً للمفاسد عنها ونصحاً لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولائمة المسلمين وعامتهم وعلينا ان نترك المراء ومحاولة جعل الاجتهادات الشخصية للبعض دينا متبعاً ففي الأمر سعة وكل له اجتهاده وكل مأجور ان شاء الله فمن أصاب فمن الله وله أجران ومن اخطأ فمن نفسه وله اجر وأرجو من الاخوة عدم الانفعال والثورة في وجه اخوانهم في الله والله اعلم أين الحق في تلك المسائل والله الهادي الى سواء السبيل.

وختاما قولك انك تنصحني بترك كتب الخلف والرجوع الى كتب العلماء الأعلام فانني والحمد لله تتلمذت على يد ائمة السلف ولم استدل في رأيي بالاصول الا بأقوالهم وأفعالهم قديماً وحديثاً وأنني أنصحك كذلك يا أخي بالالتزام بما نصحتني به وقراءة كتب السلف وفقهها وفقه مقاصد الدين وضرورة الجمع بين الأدلة واتباع سبل العلماء في الاستنباط وتقديم الأصول على الفروع ورد المتشابه الى المحكم وعدم المجازفة في اطلاق الأحكام كما أنني أدعو الجميع ألا يجعلوا اجتهاداتهم وارائهم ديناً لا تجوز مخالفته بل هو رأي يحتمل الصواب والخطأ، كما أننا لا نقلد أحداً بل نتبع الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح وكما لكم حق الاجتهاد فلنا كذلك اما منهجنا السلفي الحق فنحن تعلمناه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن سلف الأمة السابقين ومن أئمة العلم كابن باز وابن عثيمين وابن فوازان والألباني وعبدالرحمن عبد الخالق وغيرهم رحم الله ميتهم وبارك في حيهم ومما تعلمناه منهم أنهم بشر يصيبون ويخطئون وان العصمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم واننا لا نقلدهم ولا نجعل من أرائهم واجتهاداتهم في الفروع والنوازل ديناً لا تجوز مخالفته فهذا ماتربينا عليه وندعو اليه وننشره بين الناس ونحذر من مدعي السلفية سواء التكفيريين والخوارج أو البغاة الذين يستبيحون دماء المسلمين وأموالهم ويسعون في الأرض فساداً أو المخذلين الذين يضيقون على الامة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويدعونها للاستسلام للواقع المر بلسان حالهم ومقالهم ويوسعون على الحكام في ترك شريعة الله والاعراض عنها ويبررون للمستبدين بل يحثونهم على جلد الأمة ونهب أموالها والفساد في الأرض ويحرفون الكلم عن مواضعه، فاننا امة وسطاً ولله الحمد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالح رضي الله عنهم.

نسأل الله الثبات وحسن العاقبة والخاتمة في الدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين.

د. فهد صالح الخنه

(منقول من جريدة الوطن الكويتية تاريخ 19 فبراير 2011)