لقاء جريدة الوطن الكويتية مع الشيخ عبدالرحمن بن عبدالخالق

اللقاء الاول

بعد صمت طويل.. شيخ سلفية الكويت يتحدث إلى الوطن عن المارد السلفي الذي يرعب العالم الإسلامي

عبدالرحمن عبدالخالق: السلفيون ليسوا ملائكة وقد يؤْثر بعضهم الدنيا فيصبحون ألعوبة في يد الحكام

السلفي ثائر بطبعه لكن دون دماء أو سيف

شباب مصر قاموا بأنظف ثورة في التاريخ.. ولا يجوز للسلفيين أو غيرهم أن يصادروها لحسابهم

لست ممنوعاً من الدخول إلى مصر لكنني أعيش وسط أهلي في الكويت

ليس بسلفي من يهدم الأضرحة أو يعتدي على نصراني أو يروِّع الناس في الشوارع

لكل التيارات السياسية الحق في الدعوة إلى أفكارها بحرية.. وصناديق الاقتراع تحكم بين الجميع

الأحزاب غير الإسلامية يتحاملون على السلفيين في مصر لأنهم يخشون أن يأكلوهم في الانتخابات

العمل السياسي هو الدين.. ومنح الصوت الانتخابي لمن لا يستحقه خيانة

الذي أفتى بقتل د. محمد البرادعي لا يمكن أن يكون سلفيا

حاوره حسن عبدالله:

الآن.. من غانة الى فرغانة.. ومن لاهور في باكستان الى فارسكور في مصر وعمّان والمغرب وتونس والجزائر.. خرج المارد السلفي يزمجر ويهدد ويصرخ ويدعو الى اللحية والجلباب والحجاب والنقاب.. ويا للهول! الى تولي الحكم!

ففي مصر عاش السلفيون طوال تاريخهم الذي يمتد لنحو قرن في كنف السلطة.. ينصرون الحاكم ظالما او مظلوما.. ويعتبرون الخروج عليه كفرا يستحق صاحبه القتل.. ينشغلون باطالة اللحى وتقصير الدشاديش والاستنكار الشديد لزيارة الاضرحة وتقديس الاولياء الصالحين -كما هي عادة نسبة لا بأس بها من المصريين عن كثير من المظالم التي ارتكبها الحكام في حق مصر واهلها، وفي حقهم ايضا، بل ان احدهم افتى بقتل داعية الاصلاح السياسي د. محمد البرادعي لخروجه على الحاكم الشرعي حسني مبارك!

وحتى مع بداية ثورة 25 يناير فقد تردد السلفيون كثيرا في المشاركة في احداثها، وراحوا يتلعثمون في الافتاء بجواز او عدم جواز الخروج على الحاكم الشرعي وضاعت جهود الباحثين في ادبيات السلفية المصرية عن تكئة شرعية يستندون عليها للمشاركة في ثورة جموع المصريين ضد النظام الظالم. ولولا ظهور عدد من الرموز السلفية التي اشتهرت وعرفت بالنزاهة والكفاح كالشيخ المحلاوي في الاسكندرية والشيخ حافظ سلامة في السويس والشيخ محمد حسان في القاهرة في الصورة، وقيادتهم للمظاهرات والاعتصامات والمواجهات.. والاهم ذلك القنوت وتلك المناجاة الايمانية التي كانوا يبثونها في الميادين والساحات فتهز عرش الظالمين وتملأ قلوب المصريين ثقة في ان نصر الله قريب وآت، لولا ذلك لما شارك السلفيون في ثورة المصريين.

لكن وبعد نجاح الثورة المصرية وانفتاح الافق امام جميع التيارات وانفجار الطموحات لدى كل الجماعات السياسية وغير السياسية، ظهر خطاب آخر لدى السلفيين المصريين، فقد نسب الى عناصر منهم انهم اعتدوا على غير المحجبات لاجبارهن على ارتداء الحجاب، وهدموا اضرحة.. وقطعوا اذن مسيحي اتهموه بالقوادة.. وحشدوا كل طاقاتهم للموافقة على التعديلات الدستورية في الاستفتاء الذي اجري اخيرا وسماها احد دعاتهم غزوة الصناديق، وبات حديثهم عن تطبيق الشريعة الاسلامية ودولة مصر الاسلامية والممارسات المنسوبة اليهم عموما مصدر رعب للمسيحيين وللمثقفين، وبعد عزوف شديد وتاريخي عن المشاركة في الحياة السياسية انخرطوا حتى آذانهم في السياسة.. حتى انه اصبح من النادر ألا تجد في الصحف والفضائيات من يحذر من الدولة الدينية التي يمثلها السلفيون، أو ينتقدهم كما هي الحال بالنسبة للاخوان المسلمين الذين يوجهون انتقادات حادة للممارسات السلفية ويتبرأون منها.

ولم يعد الامر مقصورا على مصر، فقد خرج السلفيون في الاردن وهم يحملون السكاكين والسيوف للمطالبة باطلاق المعتقلين والاسراع بالاصلاح ومقاومة الفساد، وسقط منهم ومن عناصر الامن الاردني العشرات من الجرحى والمصابين، وقد اضطر رئيس الوزراء الاردني معروف البخيت الى ان يقسم على الملأ على انه سيعمل بكل قوته على ايقاف هؤلاء السلفيين المضللين عند حدودهم، وانه سيعلمهم كيفية الالتزام بالقانون!

وبعد الثورة في تونس خرج السلفيون بالمئات للمطالبة بفرض الحجاب والنقاب على النساء وامساكهن في البيوت، وامعانا في التحدي افترشوا شوارع تونس وحولوها الى ساحة واسعة للصلاة يصلون فيها متى شاءوا حتى ولو ادى ذلك الى تعطيل حركة المرور والناس. وكان ان ردت الحكومة التونسية بإصدار تشريع يجعل الامر مناصفة بين الرجال والنساء في جميع المجالس التأسيسية، ويمنع الصلاة في الشوارع، ويجرم أي اجبار للمرأة على ارتداء الحجاب.

وكثير من تلك الممارسات المنسوبة الى السلفيين ستجدها كذلك في اندونيسيا وماليزيا وباكستان وافغانستان والهند حتى بين سلفي تايلاند التي يمثل المسلمون اقلية فيها!

وثمة اشكالية اخرى دفعت الكثيرين الى الحذر من التعامل مع السلفيين باستهانة، فبالاضافة الى الموقف الثابت والمعروف لليبراليين والعلمانيين من السلفية، فإن الكثير من الدعاة الكبار الذين ينتمون الى التيار الديني غير السلفي انتقدوا الفكر السلفي وحذروا منه بقوة، فالشيخ الراحل محمد الغزالي وصف السلفيين بأنهم يقدمون اسلاما غير الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد عمارة وصفهم بالمتخلفين الذين يسيئون الى الاسلام، والشيخ يوسف القرضاوي لا ينفك ينتقد اطروحاتهم، ويمكنني ان اذكر آراء سلبية لعشرات الدعاة الاسلاميين في السلفيين.

ووسط هذه الاجواء الناتجة عن حداثة عهد السلفيين في كثير من بلدان العالم الاسلامي بالعمل السياسي، وعدم الاحتكاك المباشر بالجماهير المسيسة، تظهر السلفية الكويتية اكثر خبرة وجرأة في خوض غمار المعترك السياسي العام، سواء على مستوى عضوية مجلس الامة أو تولي الوزارات وانشاء الاحزاب والجمعيات، أو التمرس المحترف، وعلى الرغم من ان كثيرين قد يتفقون أو يختلفون مع ممارسات ونتائج التجربة السلفية الكويتية التي يقترب عمرها من نحو نصف قرن، فإنها تشير الى النضوج والوعي بأبعاد اللعبة الديموقراطية التي تعتبر الكويت احد اهم روادها في المنطقة.

وفيما كان السلفيون في العالم الاسلامي وما زالوا يرددون ان الاسلام لا يعرف سوى حزبين هما حزب الله وحزب الشيطان ومن ثم فإنشاء احزاب سياسية وفكرية هو فساد في الارض وتفريق بين المسلمين وفتنة، كانت اقلام سلفية الكويت قد رفعت وجفت صحفهم عن فقه جديد -بالمعايير السلفية يجعل المشاركة السياسية عملا تعبديا، ويصف النبي الاعظم صلى الله عليه وسلم بأنه كان يقوم بعمله الرسالي من التبليغ والبيان وكذلك اعمال الحكم والسيادة من تولية الولاة، وارسال الجيوش والبعوث، والرسل، وتنظيم الدولة، واقامة الحدود، وعقد المعاهدات.

بل ان العمل السياسي اصبح واجبا لأن غايات الاسلام لا تتحقق الا بالعمل السياسي بكل ابعاده، فالاسلام ليس تبشيرا وانذارا فقط، وليس دعوة تبليغية وعظية فقط، انما هو دين وحكم وسيادة وامة وقضاء.

وكان وراء هذه النقلة النوعية في الفكر السياسي السلفي، والتي عارضها كثيرون سواء من اهل السلف أم من التيارات الاخرى، يقف داعية سلفي طويل الباع.. ذو عقلية منظمة.. وخبير بالفقه وكيفية تنزيله على الواقع، وملم بالنظم السياسية المعاصرة ومدى امكانية الاستفادة منها، هو الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق الذي اجتهد منذ حضوره الى الكويت عام 1965 في صياغة فكر سلفي سياسي جديد، بالاضافة الى ابواب الفقه الاخرى المتنوعة.

جاء عبدالرحمن عبدالخالق الى الكويت محملا بخبرات وتجارب انسانية واسعة تستحق التأمل. فالشيخ الذي ترجع جذوره الى قبيلة (آل زهير) باليمن، ولد عام 1939 في قرية عرب الرمل بمحافظة المنوفية بمصر حيث هاجر اجداده واستوطنوا فيها، ونشأ على العقيدة السلفية حيث كان والده رحمه الله سلفي المعتقد، ودرس عبدالرحمن عبدالخالق بالجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة على يد قادة الدعوة السلفية و(الوهابية) امثال الشيخ عبدالعزيز بن باز والمحدث ناصر الدين الالباني والشيخ محمد الامين الشنقيطي والشيخ عبدالرحمن الدوسري والشيخ محمد عبدالوهاب البنا وغيرهم.

بعدها طاف عبدالرحمن عبدالخالق بلدان العالم من السودان الى امريكا الى بريطانيا واندونيسيا وباكستان، قبل ان يستقر به المقام بالكويت حتى يومنا هذا وفي الكويت عمل مدرسا واماما وخطيبا بالمساجد وساهم في انشاء جمعية احياء التراث الاسلامي، وتولى مسؤولية صفحات الفكر الديني في جريدتي الوطن ثم السياسة وهو ما اكسبه لغة سلسة عذبة في مؤلفاته التي تجاوزت 50 رسالة ومولفا وردا.. تناول خلالها الكثير من الموضوعات الدينية، ومن ثم التنظير للسلفية السياسية كي تتكيف وتعمل من خلال الديموقراطية التي وان لم تكن النظام الاسلامي المنشود، الا انها حسب قوله تحمي الشعوب من الاستبداد، وبالتالي يجب احترام آلياتها ونظمها وعلى رأسها النتائج التي تحملها صناديق الانتخابات.

ولأن عبدالرحمن عبدالخالق شيخ سلفية الكويت واحد مؤسسي السلفية في العالم الاسلامي المعاصر ويمكن تجاوزا اطلاق لقب سلفي ديموقراطي عليه، فقد كان هذا الحوار معه حول الصخب والرعب الذي تسببه السلفية الآن، واهمية ترشيد الانشطة السلفية، واتناع السلفيين بالقبول بالآخر، وتفسيره لأسباب الثورات العربية من المنظور السلفي ومتى يثور السلفي وقد تحفظ الشيخ الذي تعرض لازمة صحية خطيرة منذ نحو عامين من الخوض في الشأن الكويتي من بداية الحوار، لكنه فوجئ بنفسه يتحدث عن الكويت واهلها الطيبين فابتسم قائلا كيف جعلتني اتحدث في هذا الموضوع!

في البداية سألته: ماذا عن صحتك الآن؟

- الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق: الحمد لله بخير والأمور مستقرة.

اعلم انك منوفي الا تفكر في العودة الى مصر؟

- انا منذ فترة طويلة في الكويت ولا احب السفر كثيرا وانا وسط اهلي بالكويت.

انت لم تسافر الى مصر منذ اكثر من ربع قرن فهل كنت ممنوعا من دخولها؟

- لم اكن ممنوعا من دخول مصر لكنني متزوج واقيم بالكويت، ولي عائلة في مصر لكن الظروف الخاصة بي لا تسمح بالسفر او الزيارة. وارجو ان تدخل في الموضوع الذي اتفقنا على الحوار حوله.

في مصر والكويت والاردن والمغرب والجزائر وتونس وغيرها من البلدان العربية بل والاسلامية اصبح السلفيون يشكلون خطرا على الحياة السياسية بممارساتهم الصاخبة.. ففي مصر مثلا هناك من يتهمهم بمحاولة سرقة ثورة الشباب؟

- هذا جزء من حملة يشنها البعض على السلفيين (ضاحكا) واخشى ان تكون انت واحدا منهم، هذه حملة غير مبررة، فبداية السلفية هي الاسلام الحق النقي، والبعد عن الافراط في الدين الى اي صورة من صور الانحرافات، واخذ الفترة الزمنية الاولى كنموذج لتطبيق الاسلام، وهي فترة الصحابة والتابعين، السلفية هي الاسلام النقي. والسلفيون ليس لهم بدعة يجتمعون عليها، فلم يخترعوا شيئا من الدين واجتمعوا عليه مثل بقية البدع التي ظهرت في الدين وتحزب لها البعض واصبح لها مقالة يسمون باسمها، كبدعة الارجاء والخروج والقدر والرافضة، وكذا فإن السلفيين ليس لهم رأس يتبعونه، فلا يمكنك القول بان السلفية تنتمي الى فلان من الناس كما هي الحال في المذاهب المعروفة مثلا.

فالسلفية بهذا المعنى هي تيار في الامة او هي الامة لان عامة المسلمين بهذا المعنى سلفيون.. اي مسلم نقي.

سلفية مصر

لنتحدث عن ممارسات السلفيين في مصر ومدى علاقتها بـ المسلم النقي الذي تتحدث عنه؟

- جرت العادة في مصر ان تسمى الانتخابات بـ معركة انتخابية اي ساحة واسعة تتلاقى فيها كل التيارات في خضم الانتخابات وتتنافس فمصر غنية بتياراتها السياسية بداية من حزب الوفد القديم ثم الحديث، وأيضا الاخوان المسلمون الذين يتصارعون منذ عام 1928 كي يدخلوا المعترك السياسي وينشئوا حزبا سياسيا لكن لم يسمح لهم بذلك، وانتهاء بحكاية الحزب الواحد الذي يهيمن على الساحة السياسية ويمنع تشكيل اي احزاب لا توافق هواه، ويزور كل الانتخابات.

الثورة المصرية الان فتحت للجميع حرية تكوين الاحزاب وتضمن نزاهة الانتخابات.. ففكر كل الناس في الدخول الى العمل السياسي.

والسلفيون او التوجه السلفي لانه هو الاسلام الصحيح، له قبول عند الناس وخاصة بعد انتشار الفضائيات، ورؤية رموز السلفيين من خلال الخطاب المباشر لهم، امثال الشيوخ محمد حسين يعقوب، وابو اسحاق الحويني ومحمد حسان ومحمد الزغبي ود. محمد عبدالمقصود، هؤلاء الناس عندما يخطب احدهم في مسجد يجتمع مئات الآلاف من المصلين كي يستمعوا اليه.

فلهم حضور كبير والناس تقبل عليهم باعداد هائلة دون ان تقدم اليهم وجبات غذائية او يدعون الى بوفيهات مفتوحة بعد الخطبة، وهذا هو السر وراء التخوف منهم.

فالاحزاب والتيارات السياسية الاخرى عندما رأت هذا الحضور القوي للسلفيين في مصر قالوا ان هؤلاء اذا دخلوا الانتخابات سيأكلوننا.

لقد هدموا الأضرحة وقطعوا أذن مسيحي؟

- هذه فرية ونسبة من قاموا بهذا الامر الى السلفية غير صحيحة وكذب، الذي حمى النصارى في الاسكندرية عندما انفرط عقد الامن وغابت الشرطة واصبحت مصر بدون غطاء أمين هم السلفيون.

وفيما اعلم انه ليس هناك سلفي في مصر يفتي بالاعتداء على النصارى او الاضرار بهم او مصادرة املاكهم.

ليس سلفيا

واذا وقع هذا من سلفي؟

- لا يكون سلفيا، وليسوا بسلفيين من يفعلون هذا، ولا ينبغي ان ينسب هؤلاء الى السلفية، وسلوا رؤوس السلفية في مصر ورموزها ان كان احد منهم قد أفتى في يوم من الايام بجواز هدم الاضرحة او الاعتداء على نصراني، ام انهم يجرمون هذا! كلهم يجرمون مثل هذه السلوكيات والشيخ محمد عبدالمقصود وصف مثل هذه الافعال التي نسبت الى السلفيين زورا، بانها جريمة ونحن نجرم من يفعلون هذا، فالسلفيون اهل دعوة فحسب وقد يرون ان عبادة القبور والذبح لها والتوجه اليها بالطواف حول القبر والادعاء بان صاحب القبر او الضريح يخرج من قبره ليقضي حوائج الناس مما يفعله كثير من العامة وعند القبور في مصر، لا يجوز ولا يحل وهذا من قديم ومنذ قيام الشيخ محمد حامد الفقي بتأسيس اول جمعية سلفية في مصر تحت اسم انصار السنة، التي تزامنت مع انشاء جماعة الاخوان المسلمين عام 1928 وعلى الرغم من ان السلفيين في مصر ينكرون عبادة القبور ويحرمونها، فانه لم يقم سلفي واحد من انصار السنة منذ تأسيسها وحتى الان، بالاعتداء على قبر او انكروا هذا المنكر باليد، نعم ينكرون هذا المنكر باللسان لكن لا يتجاوزونه الى استعمال اليد، واذا وقع هذا من شخص ما يدعي السلفية فهو عمل يهدف الى الاساءة للسلفيين.

وانا استمعت بنفسي في احدى القنوات الفضائية الى من يلصق تهمة احداث الفوضى في مباراة كروية بين فريقين مصري وتونسي بشباب الثورة المصرية! كيف يمكن اتهام هؤلاء الشباب بتهمة كهذه وهم من انجح هذه الثورة؟.

ثورة مصر

ما رأيك كسلفي في ثورة المصريين ضد حاكمهم ونظامه؟

- شباب مصر قاموا بأنظف وأفضل ثورة وجدت في التاريخ فلا توجد ثورة في التاريخ القديم او المعاصر في النظام والاخلاق والادبيات والاهداف التي قامت من اجلها، وفي الاسلوب الذي اتبعته، الناس لم تر طول تاريخها صورة لا يقوم فيها الثوار بالاعتداء على الناس وسفك دمائهم وتخريب الممتلكات بالعبث او غيره، ثم يجتمع فيها كل اطياف المجتمع المصري في تناسق وتنسيق وادب وخلق على هذا النحو! هذا امر غير مسبوق.

فكل الثورات التي درسناها في التاريخ كالثورة الفرنسية او البلشفية لم تنجح الا بإسالة بحر من الدماء الشيوعيون قتلوا نحو 38 مليون شخص كي يقيموا ثورتهم والثورة الفرنسية كان شعارها اقتلوا اخر امبراطور بأمعاء آخر قسيس لكن الثورة المصرية خرجت لتزيح الحاكم وتنادي بنظام ديموقراطي.

سرقة الثورة

اذا كان كل اطياف مصر قد انتفضت ضد الظلم فهل يجوز للاخوان او السلفيين او غيرهم ان يستولوا على نتائج هذه الثورة تحت اي مسمى؟

- لا يجوز ابداً وبأي صيغة بالطبع هناك رواد الثورة التي قاموا بها وهم الشباب ولهم كل الفضل اما ان يستولي تيار بعينه على الثورة فهذا امر مرفوض تماما والذي اراه حسب قراءتي لما يحدث انه لن يستطيع احد ان يصادر نتائج هذه الثورة لحسابه، فالثورة لم تقم فقط لاجل من قاموا بها، بل اعرف ان مفجري هذه الثورة زاهدون في المناصب والثورة مصيرها إلى من تفرزه الانتخابات القادمة بل ان رئيس مصر القادم الذي لا نعرف من هو حتى الآن سيخرج من صندوق الانتخابات وكذلك فان الذين سيتولون مهمة التشريع للأمة في البرلمان سيحددهم صندوق الانتخابات الذي سيعبر جموع الشعب المصري عن انفسهم من خلاله وما تراه الآن على الساحة السياسية في مصر ليس للاستيلاء على الثورة وانما صراع لكسب اصوات الناس وهذه منافسة مشروعة في حالة ما اذا كانت الانتخابات نزيهة.

انتشار الامية

أنت تعلم ان نحو %40 من المصريين اميون ولربما اغتروا بالشعارات الدينية التي يرفعها السلفيون او الاخوان وبالتالي قد تقع الثورة كلها في حجر الاسلاميين الجاهزين لتلقفها؟

- للأسف فان الهجمة المضادة للاخوان او السلفيين تركز في دعايتها على ما تقول وتسعى الى تنفير المصريين من التيار الديني الاصيل وبالتالي ازاحة السلفيين والصاق التهم بهم ادع الى مشروعك وبرنامجك والاخر يدعو الى برنامجه والكل يدعون الى افكارهم بحرية، ودعوا الحكم بعد ذلك الى صناديق الانتخابات ان هجوم التيارات المختلفة على السلفيين غير مبرر، ويشير الى ان غالبية هؤلاء يعبرون عن خوفهم من عدم وجود ارضية جماهيرية لهم، وبالتالي لن يحصلوا على شيء وبدلاً من الانشغال باعداد برامج يخاطبون بها المصريين لجأوا الى تشويه السلفيين وازاحتهم.

أنت تتحدث عن سلفية غارقة حتى اذنيها في العمل السياسي: فهل هذا من لب السلفية؟

- العمل السياسي من الدين او هو الدين. فالاسلام نظام لاقامة العدل لقد أرسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وربنا انزل موازين العدل.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كانت بني اسرائيل تسوسهم الانبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وانه لا نبي بعدي فسياستنا من اهل العلم {إن الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعا بصيرا} وتأدية الامانات الى اهلها اي توسد الحكم الى اهله، ولذلك اذا كان الرئيس سيكون بالانتخاب يصبح الصوت امانة، ولابد ان تعلم ان فلانا هذا الذي ستصوت له هو الذي يصلح لهذا المكان والا تكون خائنا.

قبول النظام

لو جاءت نتائج الانتخابات برئيس او عضو برلمان علماني او ليبرالي او غير سلفي عموما.

- (مقاطعا) لابد ان نقبل به، فنحن قبلنا بالنظام ولابد ان نرضى بنتائجه، ولتعزز صناديق الانتخابات من تفرزه فالانتخابات عقد وعهد وينبغي ان نفي بهذه العهود والعقود لكن على الاغلبية الا تلغي الاقلية.

فإذا انتخبنا مجلس أمة وطرح عليه موضوع اقتصادي كأن نسير في إطار اقتصاد حر أو اقتصاد مقيد، فلابد أن نرضى بقرار الأغلبية ونحترم رؤية الاقلية.

حقيقة للمرة الأولى التي استمع فيها الى سلفي ديموقراطي فهل أنت سلفي بالفعل؟

- يضحك الشيخ بشدة ويداعب عصاه ولا يرد.

ألعوبة في يد الحكام

ما دعاني إلى قول ذلك هو ان السلفيين يوصمون بأنهم ألعوبة في يد الحكام الذين يستخدمونهم لضرب خصومهم بالفتاوى وغيرها؟

- توظيف الحاكم أناسا لمصلحته وارد والسلفيون ليسوا ناسا منزلين من السماء، ومعنى أن الشخص سلفي فهذا لا يعني أنه لا يخطئ أو لا يؤثر الدنيا على الآخرة فالسلفيون بشر مثل كل الناس، فيهم من يؤثر الدنيا على الآخرة. فلا نقول أن كل سلفي مبرأ من العيب وأنه نقي مطلقاً إنهم ليسوا ملائكة ولا أنبياء وليس كل من ينتمي إلى السلفية نتصور فيه أنه محصن ضد الدنيا ورغباتها لكن فيما نرى أنهم من خير الناس. وفي مصر لم أسمع أحداً منهم يفتي بالباطل لمصلحة الحاكم، وعامتهم ليسوا أهل مناصب.

قبل اندلاع الثورة في مصر بأيام أفتى أحد دعاة السلفية بتكفير د. محمد البرادعي بدعوى خروجه على الحاكم الشرعي؟

- هذه ليست سلفية للأسف وحتى إن كان من أفتى بهذا منسوباً إلى السلفية، فالسلفيون أنفسهم أول من هاجموا هذا وردوا عليه وهذا رأي شاذ.

ثورة السلفي

إذن- متى يثور السلفي؟

- كل إنسان مسلم مأمور بالأمر المعروف والنهي عن المنكر والقيام في وجه الباطل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، والسلفيون على مدار التاريخ كانوا ومازالوا ضد الباطل ومنذ أن بدأ أول إنحراف عن الجادة كان السلفيون هم الذين يتمسكون بما عليه السلف الصالح ضد الباطل وقاموا عليه والكثير منهم سجن واعتقل وعندك الأئمة الأربعة ما في واحد منهم إلا وعذب وضرب وسجن بلا استثناء وهؤلاء سلف الأمة وهكذا تجد لسلسلة أهل العلم ممن ينتمون إلى هذا النهج مواقف ضد الحكام الذين عذبوهم وسجنوهم.

كل أدبيات السلفية تكاد تقدس الحكام وتعتبر الخروج عليهم كفرا بواحا؟

- هذا غير صحيح هم يرون أنهم لا يخرجون على الحاكم المسلم بالسيف فحسب، لان الخروج بالسيف يؤدي إلى مفاسد كثيرة أي أن السلفيين يرفضون الثورات الدموية فقط، أما الخروج بالكلمة والتظاهر ورفع المطالب إلى الحاكم حتى بتنحيته كما حدث في الثورة المصرية فهذا منهج مقبول ومعقول، لأنه تغيير سلمي.. أما الخروج بالسيف فهذا يؤدي إلى فتن كثيرة.

تقصد بـالخروج بالسيف الانقلابات العسكرية أو حمل السلاح في وجه الحاكم؟

- الاثنان مرفوضان فالمنقلب عسكرياً يسلب الحكم وبدون رضا الناس أي يستولي على الحكم بالدبابة ويجبر الناس على هذا الامر مثلما حدث في ثورة يوليو 1952 المصرية، التي جاءت قهراً ثم آل الأمر إلى أحد الضباط وهو جمال عبدالناصر وحكم مصر بالحديد والنار. جمال عبدالناصر الذي لفق التهم لكثير من الناس وزج بهم في السجون والمعتقلات إلى أن قضى.

لكن انظر الى ثورة تونس العفوية السلمية حيث لم يخطط ولا ينظم أحد لها. إنها حقيقة أم الثورات المعاصرة.

الخروج بالسيف

متى يخرج السلفي على الحاكم بالسيف؟

- الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل أفلا ننابذهم بالسيف

قال: لا إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان. فإذا كفر الحاكم كفرا بواحا فعند ذلك نخرج عليه بالسيف، مع الظن بإمكانية أن يزال هذا المنكر بأقل التكاليف حتى لا يحدث منكرأكبر منه.

أما الإنكار باللسان فنعم، وكل سلف الأمة أنكروا باللسان على الحاكم كي يعدلوا المسار الخاطئ.

اي ان الاعتصامات والتظاهرات وغيرها مشروعة؟

- اي صورة من الصور التي يتفق عليها الناس مشروعة وجائزة طالما انها سلمية والنموذج الجلي على ذلك هو ثورتا مصر وتونس.

هل لك علاقة مع السلفيين في مصر؟

- قليلة جداً

هم يحترمونك جدا وحسب علمي فهم يقرأون الان تأصيلك للعمل السياسي السلفي للخروج من مأزقهم؟

- (ضاحكاً) لعله من باب السن او العمر، والحمد لله كتبنا كثيرا منذ الثمانينات في هذا الموضوع مثل المسلمون والعمل السياسي و مشروعية الدخول الى مجالس الامةَ. والهدف هو تأصيل هذا الأمر وبيان لمشروعيته.

انتهازية سلفية

السلفي يوصم بالانتهازية بمعنى ان يستخدم الديموقراطية كي يستحوذ على السلطة وينحي الآخرين فما رأيك؟

- هذا اتهام ظالم فأصلا لم يحدث في التاريخ المعاصر ان قامت حكومة باسم دعاة سلفيين ثم ألغوا الاحزاب وقالوا الحكم لنا وحدنا ولا يشاركنا فيه احد وارجو ان تعطيني أي نماذج على ذلك.

السودان وايران على سبيل المثال؟

- الرئيس البشير ينتمي الى حركة الاخوان المسلمين التي قامت ضمن منظومة معينة في السودان، وعلى كل حال وصلوا الى الحكم وما ارى انه ألغى بقية الاحزاب او قزمها كما تقول بل ان الرئيس السوداني اعطى الحرية لكل احد في العمل السياسي وهم جزء من الواقع السياسي.

اما ايران فتختلف تماما لانها تقوم على نظام ولاية الفقيه الذي يقوم بالحكم نيابة عن الامام الغائب، والحكم فيه معصوم ولا ينبغي الاعتراض على الحكم وهذا يختلف تماما عن اهل السنة والجماعة فالذي يحكمنا هو الكتاب والسنة ومادرج عليه السلف الصالح، واي حاكم يرد عليه في حدود الوسائل السلمية التي تحدثنا عنها.

يوم في حياتي

سألت الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق: وأنت في هذه السن كيف تقضي يومك؟

- أغلب يومي اقضيه في المسجد فأنا امام مسجد اصلي الاوقات الخمس بالناس.

هل مازلت تقرأ وتكتب؟

- القراءة اصبحت متعثرة بسبب مشاكل في النظر، ولذلك اكتب قليلا عموما آخر مؤلفاتي هو كتاب في كرامات الصوفية اظـن انك ستتونس به وستفرح به كثيرا ثم (ضاحكا) ستكتب تقريرا عنه.

ماذا عن أولادك؟

- عندي 10 من الاولاد توفي واحد منهم والباقي 9 وهم سبع بنات وولدان.

(منقول من جريدة الوطن تاريخ 24-5-1432 الموافق 27-4-2011)